الوجوب استفادة من هذا النص أن هناك جملةً وافرةً من الأمور المستحبة استمر فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها، وليس ثمة دليل صارف، وقد لا يكون في المسألة إجماع، ولذا فقد استشكل ابن دقيق العيد إطلاق الاستدلال بمقتضى هذا الحديث على الوجوب، ومن بعده الصنعاني، والأشقر.
8 -أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم قد وردت في الحج مفصَّلة إلى درجة لا يحتاج معها إلى تكلّف الاستدلال به على وجوب ما حصل النزاع فيه؛ فإن المشاعر الكبار التي وردت في القرآن العظيم، أو التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم وأكد عليها، أو استمرَّ في فعلها، أو لم يسمح فيها إلا لبعض الأعذار، هي الأمور الواجبة التي يلزم فعلها ( [2] ) ، وما سوى ذلك من الهيئات الواقعة في تفاصيل هذه المناسك وهيئاتها مما لا يلزم تركه إبطال أصل النسك الواقع فيه، فإن هذا يبقى في دائرة الاستحباب لأمرين: أنه فعل مجرَّد فلا يكون واجبًا، ويكون مستحبًا لاندراجه في قوله عليه الصلاة والسلام:"خذوا عني مناسككم"، ثم يبقى بعد ذلك قدر مترددٌ فيه من حيث حصول صورة النسك فيه فتختلف أنظار أهل العلم في حكمه.
9 -كثرة الاستثناء تضعف من قوة القاعدة: فكم هي أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج التي ليست بواجبة، بما يعني أنه قد تم استثناؤها من هذه القاعدة، ولهذا درج الفقهاء في حصر أحكام الحج إلى تعداد القليل وهو الركن والواجب في الحج، ثم إحالة الباقي الكثير وهو المستحب إلى وصفٍ متسع، وهو ما سوى ذلك، وبذلك يكون المستثنى أضعاف المستثنى منه، لاسيما إذا صار اتكاء القليل الذي تبقَّى في حدود هذه القاعدة مستفيدًا دلالته الوجوبية من طريق آخر، وبذلك يكون القدر الباقي من الواجبات والذي اقتصر استفادته الوجوبية من مجرد هذه القاعدة: هو أقل القليل، وربما تكون هي موطن النزاع، إلا أن يركب راكبٌ الشذوذَ فإنه حينئذ يمكن أن يحرز قدرًا صالحًا من الواجبات بمجرد هذه القاعدة.
وبما سبق يتبين: أنه لو كان المقصود من هذه القاعدة أن الأصل في أفعاله عليه الصلاة والسلام هي الوجوب لكان الواقع يخالف ذلك؛ إذا الأصل وأعني بذلك الغالب الكثير هو الاستحباب، فكيف تكون قاعدة في الشريعة المستثنى منها أكثر مما جرى على وفق رسوم القاعدة؛ وهل لهذا نظير،