وعن قيس بن أبي حازم قال:"رأى بعض أهل طلحة بن عبيد الله أنه رآه في المنام، فقال: إنكم دفنتموني في مكان قد آذاني في الماء، فحولوني منه. قال: فحولوه، فأخرجوه كأنه سلقة [1] لم يتغير منه شيء إلا شعرات من لحيته" [2]
قال السهيلي -رحمه الله-: « ... وما وجد في صدر هذه الأمة من شهداء أحد، وغيرهم على هذه الصورة لم يتغيروا بعد الدهور الطويلة كحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه فإنه وجد حين حفر معاوية العين صحيحًا لم يتغير، وأصابت الفأس إصبعه فدميت، وكذلك أبو جابر عبد الله بن حرام، وعمرو بن الجموح، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه استخرجته بنته عائشة من قبره حين رأته في المنام، فأمرها أن تنقله من موضعه، فاستخرجته من موضعه بعد ثلاثين سنة لم يتغير، ذكره ابن قتيبة في المعارف، والأخبار بذلك صحيحة» [3]
قال ابن ابي العز رحمه الله تعالى: « ... وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنهم كما هم لم يتغيروا، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة، والله أعلم، وكأنه -والله أعلم- كلما كانت الشهادة أكمل، والشهيد أفضل، كان بقاء جسده أطول» [4]
22 -الشهداء على بارق نهر بباب الجنة:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، فيه قبة خضراء، يخرج إليهم رزقهم بكرة وعشيًا" [5]
قال ابن كثير رحمه الله: «وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر باب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر؛ فيجتمعون هنالك ويغدى عليهم رزقهم هناك ويراح، والله أعلم» [6]
23 -الشهداء لا يفتنون في قبورهم:
عن راشد بن سعد رضي الله عنه عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد قال:"كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة" [7]
قال ابن النحاس رحمه الله تعالى: (ومعنى قوله:"كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة": أن الفتنة في القبر بسؤال الملكين إنما هي لاختبار ما عند المرء من حقيقة الإيمان والتصديق , ولا شك بأن من وقف للقتال ورأى السيوف تلمع وتقطع , والأسنة تبرق وتخرق , والسهام ترشق وتمرق, والرؤوس تندر, والدماء تثغب, و الأعضاء تتطاير, والناس بين قتيل وجريح وطريح, فثبت على ذلك, ولم يولي الدبر, ولم ينهزم وجاد بنفسه لله تعالى وإيمانا به وتصديقا بوعده ووعيده , كما وصف الله المؤمنين في قوله تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ
(1) ـ سلقة، ورد في معنى"سلق"عدة معان، لعل الأقرب إلى معناها: هو الأملس الطيب. انظر: النهاية: 2/ 391، المقاييس في اللغة: 3/ 96، القاموس المحيط، ص 1155، تاج العروس: 25/ 454.
(2) - رواه عبد الرازق: 5/ 277 - 278، رقم 9603.
(3) - الروض الأنف: 1/ 52
(4) - شرح العقيدة الطحاوية، ص 404.
(5) - أخرجه الحاكم في المستدرك: 2/ 74، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: 5/ 294: رجال أحمد ثقات. قال ابن كثير في تفسيره: 1/ 404: إسناده جيد.
(6) - تفسير ابن كثير: 1/ 404.
(7) - رواه النسائي. صحيح الترغيب والترهيب رقم 1380