تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ؛ فكل من جاهد لمعرفة الحق في هذا الباب موعود بإصابة الحق والهداية إليه.
ولذلك صح الإجماع بتكفير كل من أعذر هؤلاء المشركين، وزعم أنه يعمل قاعدة الشرع:"لا تكليف إلا بالمستطاع"، زاعمًا أن هؤلاء لم يقدروا على تبين الحق، وكأن الحق في هذا الباب خفي لا يقدر عليه إلا الخاصة!
فقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ردٌّ على ظن وجود هذا النوع من العجز في الوجود؛ ولذلك علق الشرع الحجة على اليهود والنصارى بمجرد سماعهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِي أحد من هذه الأمة لا يَهُودِيٌّ، وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كانَ مِنْ أَصْحَابِ النار) . ذلك لوجود الحجة القاهرة في نفسه على صدق الخبر.
ولذلك؛ فالكفر قد يقع للرد مع العلم بالصحة، وقد يقع لعدم استفراغ الوسع المقدور عليه في إصابته ومعرفته.
والحديث هنا عن أصل الدين، وما جاء بعد ذلك فكل بحسبه من مراتب الظهور وقوة الدليل، ومراتب الناس بالعلم والذكاء.
والله أعلم.