حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، فإن جاء الرسول كان أول مؤيد لما يأتي به هو توافقه مع فطرة الإنسان كما هي في أصل خلقته.
وهذه الفطرة قالها الله تعالى في هذه السورة في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} ، وهذا أحد وجهي تفسير هذه الآية.
-أما المانع الثاني فهو العلم على ما تقدم ذكره، والعلم الذي به يتم حجر المرء عن المعصية هو علم العبد أنه من الله تعالى، وأثبت الله هذا بالضد مما أتى به العصاة، حيث احتجوا بشرع الله على معصيتهم، فيستفاد من هذا أن علم المرء بشرع الله الحق مانع من إتيان المعصية، ومما تقدم من قوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} أن العلم خبر عما يحب الله تعالى، وهو خبر كذلك عن الجزاء المترتب على هذه المعصية، وأعظمه الظلم، وهو أحد أركان السوء في الوجود، كما يقول ابن حزم أن أساس أخلاق الشر أربعة: الظلم، والجهل، والجبن، والبخل، وبقوة المصدر مع ذكر العاقبة يحصل الامتثال بترك المعصية، وهذه القضية -وهي مصدر الأخلاق- والأمر والنهي وأنها من عند الله هو ما يكسبها قوتها، ويحقق الغاية منها، وقد تقدم كيف يفسد هذا الحاجز؛ إما بتزويره في اللغة، وإما بتزويره بالواقع، كما تبين هذا في حيلة الشيطان على أبوينا، وفي حيلة بني إسرائيل في القرية التي كانت حاضرة البحر، وكذلك يقع إفساده بما تقدم ذكره من وجود ما قاله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا} ، ويرد على أمثال هذا ما قاله تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} ، وقال تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} ، وهذا مدح لقولهم وفعلهم، فمدح قولهم بالحق، ومدح فعلهم بالعدل، وكذلك يقيمونه في حياتهم، وكذلك في غيرهم، فاجتمع فيهم الحق من جميع جوانبه: قولًا وفعلًا، وفي أنفسهم وفي غيرهم.
والعلم هذا هو أساس قوة المسلم والمؤمن والمهتدي، فبه يتم رد الشر والمعصية، وهو بحاجة للعلم بما أخبر الله تعالى، وكذلك العلم بواقع المخبر عنه، وانظر إلى قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ} ، فهل هذا إلا نظر في واقع المختلف فيه؟ وكذلك قوله تعالى في بيان النظر في المختلف فيه: أَيُشْرِكُونَ