فهرس الكتاب

الصفحة 164 من 275

ومثلها احتجاج البعض في كل نزال الإيمان مع اليهود بقوله تعالى: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أو مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ} ، فهذا له الظرف التاريخي في قتال المسلمين مع اليهود وليس في كل قتال كما يتوهم البعض، وقتال اليهود قد يقع فيه هذا وقد يقع فيه غيره وذلك بحسب الظرف السنني الملائم له عندهم، فهم يختارون لقتالهم ما يحفظ وجودهم ويحقق نصرهم بحسب فهمهم وإدراكهم.

وكذلك ما قاله تعالى عن الحالة التي وصل إليها عز الإسلام وذل الشرك بأن يكون شأن الكافرين ما قاله تعالى عنهم: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} ، فهذا ليس في كل موقعة ولا في كل نزال بل هو عندما يصل أهل الإيمان لحالة معينة تحقق هذه السنة، وإلا إن تخلف هذا الظرف؛ تخلفت هذه النتيجة.

ويشهد لهذا الأمر المتقدم التاريخ، ومما قرره الإمام الشاطبي في (الموافقات) وجوب تفسير القرآن بحسب العوائد الجارية، وهذا منه كما ترى، والقرآن الكريم يفرض صورًا كثيرة تخالف هذا الإطلاق منا، وهذا يدل على أنه حالة ظرفية سننية خاصة تلائم سنن الوجود وليس حالة مطلقة تصلح في كل حالة.

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} ، فهذا نوع قتال وموقعة لا يولي الكفار أدبارهم، بل هم الزاحفون للقتال، ويحذرنا القرآن من أن نولي نحن الأدبار لا هم، فهي حالة سننية يقولها القرآن على خلاف ما قاله عن حالة أخرى تقدمت، وذلك لأن لكل حالة سننها التي تجري على وفقها

وفي قوله تعالى عن قتال المرتدين كما يقول أهل التفسير في سورة الفتح: {قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أو يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} ، فهذه حالة يكون الكافر فيها غير جازع حتى إذا دخل عليه أهل الإيمان غلبوا وأسقط في يد الكافرين، كما أن هذه الحالة لا يولي صنفها الأدبار، بل هم كما قال فيهم ربنا: {أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} لا يتركون القتال حتى يقتلوا أو يسلموا، ولا فرار أبدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت