ـ وأنت أيضا صغير .. كم عمرك؟؟ عشرون واحد وعشرون؟ جلال الدين أكبر منك بخمسة عشر سنة، أما إسماعيل فأكبر منك بأكثر من ...
قطع صياح الأخوين الصوت العريض الهادئ للمجاهد"عبد الباري"وهو عريف سابق في الجيش، لقد جذبه نحوهما ذلك الصراخ المدوي المتبادل، قال بصوته المميز:
ـ ما بالكما هل أصيب أحد منكما؟؟.
ضحك إبراهيم وهو يشير إلى شقيقه الأصغر:
ـ لاشيء غير أن هذا الغلام فقد عقله ويريد أن يخالف أوامر جلال الدين ويضع الدوشيكا على رأس الجبل ويضرب على الهيلوكبتر.
ابتسم عبد الباري وانفرجت أسارير وجهة ذو الملامح القوية الطيبة:
ـ لا بأس عليك يا خليل .. قريبا سيصدر جلال الدين أوامره بذلك .. أنا لم أشاهد قبلا مثل ذلك القصف الجوى العنيف، أنهم يبدؤون من السابعة صباحا ولا ينتهون إلا في الخامسة مساء، إنهم يقصفون جميع المنطقة، من خوست وحتى زورمات .. يا إلهي .. لقد أرسلت موسكو كل طائراتها إلينا هنا في باكتيا.
مسح عبد الباري لحيته السوداء المرسلة وأخذ ينظر إلى طائرات الهيلوكبتر وهى تقصف موقع قريب، وتمتم قائلا:
ـ الأغبياء ليس هناك أحد .. هل يريدون اقتلاع الجبل؟؟.
ثم واصل وكأنه يحدث نفسه:
ـ هل علمتم؟؟. لقد رموا شراكا خداعية على جبل في غرب خوست، كانت على شكل جراد أخضر .. لقد وقع أحد الرعاة وقطيعة وسط الألغام، لقد قتل عشرون خروفا .. وفقد ابن الراعي ساقه .. مسكين .. طفل مسكين.
وسرح عبد الباري بنظره بعيدا وهو شارد يردد الجملة نفسها: مسكين .. طفل مسكين ..
ارتسمت في مخيلته صورة عائلته التي تركها في بلده مزار شريف ... أمه العجوز وزوجته وطفله الصغير (نسيم) . ماذا حدث لهم الآن؟ .. لقد مر عام ونصف منذ أن هرب من الجيش وكان يخدم في خوست فانضم إلى المجاهدين وصار واحدا من أشهر مجاهدي باكتيا.
فكر أن عائلته ربما فقدت الأمل في عودته، هو لا يعرف عنهم شيئا وهم لا يدرون أميت هو أم حى؟ كم يشتاق إلى طفله نسيم ويتمنى لو يضمه إلى صدره ويقبله ... مسكين .. طفل مسكين. ظل عبد البارى يردد بلا وعى منه وشعوره غائب تماما عمن حوله.