تقول المادة الخامسة من الدستور الإيراني: «في زمن غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير وذلك وفقًأ للمادة 107» . أما الفقرة الأولى من المادة 115 فتشترط: «أن يكون رئيس الجمهورية إيراني الأصل ويحمل الجنسية الإيرانية» ! وهذا يعني استبعاد كافة القوميات من منصب الرئاسة دستوريا. ومع ذلك فالسؤال: لماذا حضرت جنسية الرئيس وغابت جنسية «الولي الفقيه» ؟ الأمر ببساطة: لأن الذين وضعوا الدستور وقعوا في مآزق شتى، وتناقضات فاضحة، مثلما هو الحال في عقائدهم ورواياتهم.
(1) فالخميني يمكن أن يكون هنديا أو بريطانيا أو من أية قومية أخرى، إلا أنه بالتأكيد لم يكن فارسيا أبدا. والتنصيص على الجنسية الإيرانية لـ «الولي الفقيه» سيؤدي إلى إخراجه من «الولاية» برمتها. لكن تجنب التنصيص على الجنسية لن يكون الحل السحري في تجنب الحرج، بقدر ما سيؤدي إلى فضائح أخرى لا تتوقف عن الانكشاف. فباعتبار «الولي الفقيه» ، إماما لعموم المسلمين، وطاعته واجبة، فهذا يؤشر على أن الدستور، من المفتلرض، أنه لا يمانع بأن يحمل أية جنسية أخرى، كأن يكون مثلا مسلما ماليزيا أو إندونيسيا أو أفريقيا أو أوروبيا أو أمريكيا. لكن؛ هل سيصمد مثل هذا الاعتبار أمام المادة 12 التي تقول بأن: «الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثنا عشر، وهذه المادة تبقى إلى الأبد غير قابلة للتغيير» ؟ بالتأكيد لن يصمد حتى لحظة واحدة! فعن أي مسلمين أو إمام يجري الحديث إذا كان النص الدستوري مذهبي وحتى طائفي وعنصري؟ وما هي هوية الثورة التي يطالب الدستور و «الولي الفقيه» بتصديرها؟
(2) وبما أن الخميني بزعمهم ينتسب إلى سلالة الإمام موسى الكاظم، فهو بالتالي عربي! ومن المفارقات العجيبة فإن التنصيص على الجنسية الإيرانية، بالمحصلة مثل عدمه، سيخرجه أيضا من «الولاية» . والأسوأ من ذلك أنه سيقصي منها كل فقيه يحمل لقب «السيد» . وبدلا من أن يكون الانتماء لآل البيت نعمة يمتطون بموجبها ظهور العامة والخاصة والدهماء، فسيغدو لعنة تطارد من يجاهر بها. ولحل هذه المعضلة يلجأ القوم إلى قاعدتهم الذهبية التي تقول: «قبلنا الإسلام ولم نقبل العربية» ! وهي تعني أن آل البيت مسلمون وكفى، وبالتالي فليس ثمة حاجة لمجرد الحديث عن أصولهم العربية، وهو منطق ثقافي عميق يتحصن في قعر فارس العنصرية، والحاقدة على الإسلام .. منطق يقضي بأن تحضر الفارسية على الدوام، فيما تغيب العروبة حتى عن «آل البيت» . وبهذه الثقافة تمتزج أسطورة الحق الإلهي في «الولاية» ، سواء في ظل الإسلام، عبر أطروحة «آل البيت» ، أو في ظل كورش ويزدجر وسلالات الأباطرة الفرس!!!
لذا لم تكن «ولاية الفقيه» بدعة خمينية صرفة كما جرى الترويج لها. وما فعله الخميني من وضعها موضع التنفيذ هو استعادة صفوية لها بامتياز. وبالتالي فهي عدوان صريح على الإسلام والمسلمين، لا يناظره في الضراوة حتى الدولة العبيدية. أما أصل الفكرة فتعود بدايةً إلى الشيخ محمد بن مكي الجزيني (743 - 786 هـ) ، صاحب كتاب «اللمعة الدمشقية» ، حيث وردت لأول مرة عبارة «نائب الإمام» . فقد تلقى هذا دعوة من علي مؤيد،