فبقيت في العراق عدّة أشهر، فدخلت في دروة عسكريّة تأسيسّية وكان الجيش الشعبي التابع للجيش العراقي هو الذي يدرّب الإخوان المسلمين السوريين، فبقيت فترة ثم بعد هذه الدروة سلموني إمارة دورة؛ نتيجة إمكانياتي الرياضية حيث كنت أمارس لعبة الجودو في أول شبابي، فتلقينا التدريب العسكري.
ثم حصل أمر أعتبره من الأمور الطيبة في حياتي؛ أنهم جاؤوا بأحد المشايخ والإخوة القدماء، اسمه الشيخ عبد العزيز علي، المعروف بـ (أبي أسامة المصري) ، وهو كان أحد أعضاء الجهاز الخاص لحسن البنا، وشارك في الجهاد في فلسطين، وجُرح في القدس سنة 1948، ثم شارك في قتال قناة السويس ضد الإنجليز، وشَهِد معركتها المشهورة (معركة التل الكبير) ، وهو من الشخصيات العسكرية المعروفة للإخوان المسلمين، وشارك في معظم الحركات الجهادية التي ساهم فيها الإخوان، في اليمن أو في إرتيريا أو في غيرها، فجاؤوا به أيضًا لمساعدة الإخوان المسلمين الذين كانوا يعملون في سوريا.
وكانوا جاؤوا بـ 28 أخًا لينظِّموا لهم دورة مدربين حتى يقوم على أساسهم الجهاز العسكري للإخوان في سوريا، فاختاروني أنا وأخًا آخرًا من بغداد وألحقونا بالفريق فأصبحنا ثلاثة، فبقينا مع الشيخ عبد العزيز علي مدة شهرين درسنا خلالها وأغلب الدورة كانت عن (الهندسة العسكريّة للمتفجرات) ، ومنها بدأ مشواري مع هذا العلم، فأحببت هذا الاختصاص العسكري وصحبني إلى أيام أفغانستان، وهذا الرجل هو رجل مبارك أثّر فينا وأعتبره من الشخصيات المباركة التي التقيتها في حياتي، ثم عاد والتقيت به قدرًا في أفغانستان، فهو جاء وساهم في الجهاد في أفغانستان مع أن عمره كان قد جاوز 65 سنة.
بعد هذه الدورة أصبحت من الجهاز العسكري للإخوان المسلمين، واستلمت التدريب في هذه المادة، وبعد فترة عُدنا إلى عمان لمتابعة العمل مع الإخوان المسلمين، وكان بعض الضباط السوريّين قد فرّوا وانشقوا من الجيش السوري والتحقوا بالإخوان المسلمين، فكان من هؤلاء رجل -هو أيضًا جاء ويشارك في الجهاد هنا في أفغانستان- اسمه أبو سيف، وكان رائد في الجيش السوري، أظن أنه كان رائد ركن في الجيش السوري تخرج من المدرسة العسكريّة، فنظم لنا دورة في هندسة المتفجرات، فلكوني بدأت في مجال الهندسة العسكرية، إضافة لأن طبيعة دراستي أنا هي هندسة الميكانيكا، وهناك تلاقي بين الهندسة العسكرية أو هندسة المتفجرات أو ما يعرف بهندسة التخريب وعلم الهندسة الميكانيكية؛ فوجدت نفسي متفوق في المادة ومحبّ لها.
ففي نهاية هذه الدورة وضعت أنا وأحد التلاميذ الذين كانوا أيضًا متفوقين في هذه الدورة كتاب في هندسة المتفجرات، وهو ما عرف بـ (المذكرة السورية) ، والتي جاءت أفغانستان فيما بعد وعلى أساسها قام العمل الهندسي، فاحترفت هذا التخصص، ثم صرت أحد أركان التدريب العسكري عند الإخوان المسلمين ما بين العراق والأردن.