15 -ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ الْبُغَاةِ - إنْ كَانَتْ تُقَاتِلُ - فَإِنَّهَا تُحْبَسُ، وَلَا تُقْتَلُ إلَّا فِي حَالِ مُقَاتَلَتِهَا، وَإِنَّمَا تُحْبَسُ لِلْمَعْصِيَةِ، وَلِمَنْعِهَا مِنْ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إنْ لَمْ يَكُنْ قِتَالُهُنَّ إلَّا بِالتَّحْرِيضِ وَالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ، فَإِنَّهُنَّ لَا يُقْتَلْنَ.
أَمْوَالُهُمْ بِالنِّسْبَةِ لِاغْتِنَامِهَا وَإِتْلَافِهَا وَضَمَانِهَا:
16 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَمْوَالَ الْبُغَاةِ لَا تُغْنَمُ، وَلَا تُقَسَّمُ، وَلَا يَجُوزُ إتْلَافُهَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ تُرَدَّ إلَيْهِمْ. لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَحْبِسَ الْإِمَامُ أَمْوَالَهُمْ دَفْعًا لِشَرِّهِمْ بِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ حَتَّى يَتُوبُوا، فَيَرُدُّهَا إلَيْهَا لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ؛ وَلِأَنَّهَا لَا اسْتِغْنَامَ فِيهَا، وَإِذَا كَانَ فِي أَمْوَالِهِمْ خَيْلٌ وَنَحْوُهَا - مِمَّا يُحْتَاجُ فِي حِفْظِهِ إلَى إنْفَاقٍ - كَانَ الْأَفْضَلُ بَيْعَهُ وَحَبْسَ ثَمَنِهِ. وَفِي ضَمَانِ إتْلَافِ مَالِهِمْ كَلَامٌ. فَإِنَّ الْعَادِلَ إذَا أَتْلَفَ نَفْسَ الْبَاغِي أَوْ مَالَهُ حَالَ الْقِتَالِ بِسَبَبِ الْقِتَالِ أَوْ ضَرُورَتِهِ لَا يَضْمَنُ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْتُلَهُمْ إلَّا بِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ كَالْخَيْلِ، فَيَجُوزُ عَقْرُ دَوَابِّهِمْ إذَا قَاتَلُوا عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانُوا لَا يَضْمَنُونَ الْأَنْفُسَ فَالْأَمْوَالُ أَوْلَى. أَمَّا فِي غَيْرِ حَالِ الْقِتَالِ وَضَرُورَتِهِ فَلَا تُحَرَّقُ مَسَاكِنُهُمْ، وَلَا يُقْطَعُ شَجَرُهُمْ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ إذَا ظَفِرَ لَهُمْ بِمَالٍ حَالَ الْمُقَاتَلَةِ فَإِنَّهُ يَحْبِسُهُ حَتَّى يُرَدَّ إلَيْهِمْ، فَلَا تُؤْخَذُ أَمْوَالُهُمْ؛ لِأَنَّ مَوَارِيثَهُمْ قَائِمَةٌ، وَإِنَّمَا قُوتِلُوا بِمَا أَحْدَثُوا مِنْ الْبِدَعِ، فَكَانَ ذَلِكَ كَالْحَدِّ يُقَامُ عَلَيْهِمْ. وَقَيَّدَ الْمَاوَرْدِيُّ الضَّمَانَ بِمَا إذَا كَانَ الْإِتْلَافُ خَارِجَ الْقِتَالِ بِقَصْدِ التَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ، أَمَّا إذَا كَانَ لِإِضْعَافِهِمْ أَوْ هَزِيمَتِهِمْ فَلَا ضَمَانَ. وَاسْتَظْهَرَ الزَّيْلَعِيُّ وَابْنُ عَابِدِينَ حَمْلَ الضَّمَانِ عَلَى مَا قَبْلَ تَحَيُّزِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ، أَوْ بَعْدَ كَسْرِهِمْ وَتَفَرُّقِ جَمْعِهِمْ.
مَا أَتْلَفَهُ أَهْلُ الْعَدْلِ لِلْبُغَاةِ:
17 -نَقَلَ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْمَرْغِينَانِيِّ: أَنَّ الْعَادِلَ إذَا أَتْلَفَ نَفْسَ الْبَاغِي أَوْ مَالَهُ لَا يَضْمَنُ وَلَا يَاثَمُ؛ لِأَنَّهُ مَامُورٌ بِقِتَالِهِمْ دَفْعًا لِشَرِّهِمْ. وَفِي الْمُحِيطِ: إذَا أَتْلَفَ مَالَ الْبَاغِي يُؤْخَذُ بِالضَّمَانِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْبَاغِي مَعْصُومٌ فِي حَقِّنَا، وَأَمْكَنَ إلْزَامُ الضَّمَانِ، فَكَانَ فِي إيجَابِهِ فَائِدَةٌ
مَا أَتْلَفَهُ الْبُغَاةُ لِأَهْلِ الْعَدْلِ:
18 -إذَا أَتْلَفَ أَهْلُ الْبَغْيِ لِأَهْلِ الْعَدْلِ مَالًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ طَائِفَةٌ مُتَأَوِّلَةٌ فَلَا تَضْمَنُ كَأَهْلِ الْعَدْلِ؛ وَلِأَنَّهُ ذُو مَنَعَةٍ فِي حَقِّنَا، وَأَمَّا الْإِثْمُ فَإِنَّهُ لَا مَنَعَةَ لَهُ فِي حَقِّ الشَّارِعِ؛ وَلِأَنَّ تَضْمِينَهُمْ يُفْضِي إلَى تَنْفِيرِهِمْ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى الطَّاعَةِ، لِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامٍ كَتَبَ إلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ امْرَأَةٍ خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِ زَوْجِهَا، وَشَهِدَتْ عَلَى قَوْمِهَا بِالشِّرْكِ، وَلَحِقَتْ بِالْحَرُورِيَّةِ فَتَزَوَّجَتْ، ثُمَّ إنَّهَا رَجَعَتْ إلَى أَهْلِهَا تَائِبَةً، قَالَ فَكَتَبَ إلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْفِتْنَةَ الْأُولَى ثَارَتْ، وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا - كَثِيرٌ، فَاجْتَمَعَ رَايُهُمْ عَلَى أَلَّا يُقِيمُوا عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فِي فَرَجٍ اسْتَحَلُّوهُ بِتَاوِيلِ الْقُرْآنِ، وَلَا قِصَاصًا فِي دَمٍ اسْتَحَلُّوهُ بِتَاوِيلِ الْقُرْآنِ، وَلَا يُرَدُّ مَالٌ اسْتَحَلُّوهُ بِتَاوِيلِ الْقُرْآنِ، إلَّا أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ فَيُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تُرَدَّ إلَى زَوْجِهَا، وَأَنْ يُحَدَّ مَنْ افْتَرَى عَلَيْهَا. وَفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ: يَضْمَنُونَ؛ لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ تَدُونَ قَتَلَانَا، وَلَا نَدِي - مِنْ الدِّيَةِ - قَتَلَاكُمْ وَلِأَنَّهَا نُفُوسٌ وَأَمْوَالٌ