فهرس الكتاب

الصفحة 720 من 879

رَايَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَادُ وَلَا يُودَى مَا أُصِيبُ عَلَى تَاوِيلِ الْقُرْآنِ إلَّا مَا يُوجَدُ بِعَيْنِهِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا الْتَقَتْ الْفِئَتَانِ فَمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ دَمٍ أَوْ جِرَاحَةٍ فَهُوَ هَدَرٌ، أَلَا تَسْمَعُ إلَى قوله تعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} الْآيَةَ، حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا؟ قَالَ: فَكُلُّ طَائِفَةٍ تَرَى الْأُخْرَى بَاغِيَةً. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ شُبْهَةً غَيْرَ هَذَا، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ رحمه الله لَمْ يُدْرِكْ تِلْكَ الْفِتْنَةَ وَلَا وُلِدَ إلَّا بَعْدَهَا بِبِضْعِ عَشْرَةِ سَنَةً وَالثَّانِي - أَنَّهُ لَوْ صَحَّ - كَمَا قَالَ - لَمَا كَانَ هَذَا إلَّا رَايًا مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لَا نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا مِنْهُمْ، وَلَا حُجَّةً فِي رَايِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا افْتَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ اتِّبَاعَ الْقُرْآنِ، وَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام، أَوْ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، وَلَمْ يَامُرْ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ بِاتِّبَاعِ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ أُولِي الْأَمْرِ مِنَّا، وَإِذَا وَقَعَتْ تِلْكَ الْفِتْنَةُ فَبِلَا شَكٍّ أَنَّ الْمَاضِينَ بِالْمَوْتِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ الْبَاقِينَ، وَلَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ بَدْرٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَعُدُّوا، إذْ مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه فَمَا وُجِدَ مِنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ إلَّا نَحْوُ مِائَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِمَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ لَوْ صَحَّ، فَكَيْفَ وَهُوَ لَا يَصِحُّ أَصْلًا؟ وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدِ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقَدْ أَتَيْتُ الْخَوَارِجَ وَإِنَّهُمْ لَأَحَبُّ قَوْمٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إلَيَّ فَلَمْ أَزَلْ فِيهِمْ حَتَّى اخْتَلَفُوا، فَقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَاتِلْهُمْ، فَقَالَ: لَا، حَتَّى يَقْتُلُوا، فَمَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ اسْتَنْكَرُوا هَيْئَتَهُ، فَثَارُوا إلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ، فَقَالُوا: حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ {تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي وَالسَّاعِي فِي النَّارِ} قَالَ: فَأَخَذُوهُ وَأُمَّ وَلَدِهِ فَذَبَحُوهُمَا جَمِيعًا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ فَلَقَدْ رَأَيْتُ دَمَاهُمَا فِي النَّهَرِ كَأَنَّهُمَا شَرِيكَانِ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: أَقِيدُونِي مِنْ ابْنِ خَبَّابٍ؟ قَالُوا: كُلُّنَا قَتَلْنَاهُ فَحِينَئِذٍ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ، فَقَتَلَهُمْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَهَذَا أَثَرٌ أَصَحُّ مِنْ أَثَرِ الزُّهْرِيِّ، أَوْ مِثْلُهُ، بِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَأَى الْقَوَدَ عَلَى الْخَوَارِجِ فِيمَنْ قَتَلُوهُ بِتَاوِيلِ الْقُرْآنِ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ مِنْ إجْمَاعِهِمْ. فَصَحَّ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، وَبِلَا شَكٍّ نَدْرِي أَنَّ الْقَائِلِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ أَكْثَرُ عَدَدًا وَأَتَمُّ فَضْلًا، مِنْ الَّذِينَ ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ إجْمَاعٌ لَا يَصِحُّ عَلَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ أَحَدٌ بِدَمٍ أَصَابَهُ عَلَى تَاوِيلِ الْقُرْآنِ. لَا بِقَوَدٍ وَلَا بِدِيَةٍ، وَأَنْ لَا يَضْمَنَ أَحَدٌ مَالًا أَصَابَهُ عَلَى تَاوِيلِ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ حُجَّةً يَسُوغُ الْأَخْذُ بِمِثْلِ مَا قَالُوا، وَإِنَّمَا رَجَعَ الْأَمْرُ فِيمَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ إجْمَاعًا إلَى حُكْمِ الْوَالِي، وَلَمْ يَكُنْ إلَّا عَلِيًّا، وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ إيجَابُ الْقَوَدِ كَمَا ذَكَرْنَا، أَوْ مُعَاوِيَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ بِيَدِ عَلِيٍّ لَا بِيَدِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ مُعَاوِيَةُ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا مَاجُورًا فَقَطْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا احْتِجَاجُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ"بِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تَرَى الْأُخْرَى بَاغِيَةً"فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكِلْنَا إلَى رَايِ الطَّائِفَتَيْنِ، لَكِنْ أَمَرَ مَنْ صَحَّ عَنْدَهُ بَغْيُ إحْدَاهُمَا بِقِتَالِ الْبَاغِيَةِ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالَهُ سَعِيدٌ رضي الله عنه - لَمَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَوْلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت