فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 879

النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ} ، وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ مِنْ الْكُفَّارِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى جَوَازِ إقْرَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْجِزْيَةِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: {لَا يُقْبَلُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ، وَتُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْعَرَبِ، وَمِنْ سَائِرِ كُفَّارِ الْعَجَمِ الْجِزْيَةُ} . وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: {أَنَّهُ تُقْبَلُ مِنْ الْجَمِيعِ الْجِزْيَةُ إلَّا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ} وَقَالَ مَالِكٌ فِي الزِّنْجِ، وَنَحْوِهِمْ: {إذَا سُبُوا يُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ} . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: يُقَاتَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَأَهْلُ الْأَوْثَانِ عَلَى الصَّلَاةِ،، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَهْلَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: الْعَرَبُ لَا يُسْبَوْنَ، وَهَوَازِنُ سُبُوا ثُمَّ تَرَكَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: {لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَرَبًا كَانُوا أَوْ عَجَمًا} .

بَابُ حُكْمُ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} إلَى قَوْلِهِ: {مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} وَنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ يَنْتَحِلُونَ نِحْلَتَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُتَمَسِّكِينَ بِجَمِيعِ شَرَائِعِهِمْ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ يَتَوَلَّى قَوْمًا مِنْهُمْ فِي حُكْمِهِمْ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ: إنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنْهُمْ إلَّا بِالْوِلَايَةِ لَكَانُوا مِنْهُمْ لقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} وَذَلِكَ حِينَ قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: إنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّقُوا مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ {، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ حِينَ جَاءَهُ فَقَالَ لَهُ: أَمَا تَقُولُ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ فَقَالَ: إنَّ لِي دِينًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَنَا أَعْلَمُ بِهِ مِنْك أَلَسْت رَكُوسِيًّا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَسْت تَاخُذُ الْمِرْبَاعَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَك فِي دِينِك} فَنَسَبَهُ إلَى صِنْفٍ مِنْ النَّصَارَى مَعَ إخْبَارِهِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَمَسِّكٍ بِهِ بِأَخْذِهِ الْمِرْبَاعَ، وَهُوَ رُبْعُ الْغَنِيمَةِ، وَالْغَنِيمَةُ غَيْرُ مُبَاحَةٍ فِي دِينِ النَّصَارَى، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ انْتِحَالَ بَنِي تَغْلِبَ لِدِينِ النَّصَارَى يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمْ حُكْمَهُمْ، وَأَنْ يَكُونُوا أَهْلَ كِتَابٍ، وَإِذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَجَبَ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، وَالْجِزْيَةُ وَالْجَزَاءُ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَخْذُ الْمَالِ مِنْهُمْ عُقُوبَةً وَجَزَاءً عَلَى إقَامَتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْآيَةِ لَهَا مِقْدَارًا مَعْلُومًا، وَمَهْمَا أُخِذَ مِنْهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَإِنَّ اسْمَ الْجِزْيَةِ يَتَنَاوَلُهُ. وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ عَنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ فِي تَضْعِيفِ الصَّدَقَةِ فِي أَمْوَالِهِمْ عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالثَّوْرِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي النَّصْرَانِيِّ إذَا أَعْتَقَهُ الْمُسْلِمُ: {فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ وَلَوْ جُعِلَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ لَكَانَ الْعِتْقُ قَدْ أَضَرَّ بِهِ وَلَمْ يَنْفَعْهُ شَيْئًا} ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِي بَنِي تَغْلِبَ شَيْئًا. وَرَوَى يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ السَّفَّاحِ عَنْ دَاوُد بْنِ كُرْدُوسٍ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ بَنِي تَغْلِبَ قَدْ عَلِمْت شَوْكَتَهُمْ، وَأَنَّهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، فَإِنْ ظَاهَرُوا عَلَيْك الْعَدُوَّ اشْتَدَّتْ مُؤْنَتُهُمْ؛ فَإِنْ رَأَيْت أَنْ تُعْطِيَهُمْ شَيْئًا فَافْعَلْ فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَغْمِسُوا أَوْلَادَهُمْ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَتُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ الصَّدَقَةُ؛ قَالَ: وَكَانَ عُمَارَةُ يَقُولُ: قَدْ فَعَلُوا فَلَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت