عَلَيَّ آيَةَ التَّحْلِيلِ وَآيَةَ التَّحْرِيمِ، قَالَ: قُلْت: إنِّي أَقْرَأُ مَا تَقْرَأُ أَفَنَنْكِحُ نِسَاءَهُمْ وَنَاكُلُ طَعَامَهُمْ؟ قَالَ: فَأَعَادَ عَلَيَّ آيَةَ التَّحْلِيلِ وَآيَةَ التَّحْرِيمِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَعْنِي بِآيَةِ التَّحْلِيلِ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ، وَبِآيَةِ التَّحْرِيمِ: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} ، فَلَمَّا رَأَى ابْنُ عُمَرَ الْآيَتَيْنِ فِي نِظَامِهِمَا تَقْتَضِي إحْدَاهُمَا التَّحْلِيلَ وَالْأُخْرَى التَّحْرِيمَ وَقَفَ فِيهِ وَلَمْ يَقْطَعْ بِإِبَاحَتِهِ. وَاتَّفَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى إبَاحَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ الذِّمِّيَّاتِ سِوَى ابْنِ عُمَرَ، وَجَعَلُوا قَوْلَهُ: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} خَاصًّا فِي غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ. حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ الْيَمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ حَمَّادٍ قَالَ: سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ نِكَاحِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة، قَالَ: لَا بَاسَ، قَالَ: قُلْت: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} قَالَ: أَهْلُ الْأَوْثَانِ وَالْمَجُوس. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ. وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَزَوَّجَ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفُرَافِصَةِ الْكَلْبِيَّةَ وَهِيَ نَصْرَانِيَّةٌ وَتَزَوَّجَهَا عَلَى نِسَائِهِ؛ وَرُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. وَتُرْوَى إبَاحَةُ ذَلِكَ عَنْ عَامَّةِ التَّابِعِينَ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ وَالشَّعْبِيُّ فِي آخَرِينَ مِنْهُمْ. وَلَا يَخْلُو قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ إطْلَاقُهُ مُقْتَضِيًا لِدُخُولِ الْكِتَابِيَّاتِ فِيهِ، أَوْ مَقْصُورًا عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ غَيْرِ الْكِتَابِيَّاتِ. فَإِنْ كَانَ إطْلَاقُ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يَخُصُّهُ، وَيَكُونُ قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} مُرَتَّبًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَنَا اسْتِعْمَالُ الْآيَتَيْنِ عَلَى مَعْنَى تَرْتِيبِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُمَا وَلَمْ يَجُزْ لَنَا نَسْخُ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ إلَّا بِيَقِينٍ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} إنَّمَا يَتَنَاوَلُ إطْلَاقُهُ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ثَابِتُ الْحُكْمِ؛ إذْ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يُوجِبُ نَسْخَهُ. فَإِنْ قِيلَ: قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} إنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ اللَّاتِي كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ فَأَسْلَمْنَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ} ، وقوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} وَالْمُرَادُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَسْلَمَ؛ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} الْمُرَادُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأَسْلَمَ. قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ أَهْلِ الْكِتَابِ يَنْصَرِفُ إلَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى دُونَ الْمُسْلِمِينَ وَدُونَ سَائِرِ الْكُفَّارِ، وَلَا يُطْلَقُ أَحَدٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ كَمَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يَهُودٌ أَوْ نَصَارَى، وَاَللَّهُ تَعَالَى حِينَ قَالَ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ} فَإِنَّهُ لَمْ يُطْلِقْ الِاسْمَ عَلَيْهِمْ إلَّا مُقَيَّدًا بِذِكْرِ الْإِيمَانِ عَقِيبَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} فَذَكَرِ إيمَانَهُمْ بَعْدَ وَصْفِهِمْ أَنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ؛ وَلَسْت وَاجِدًا فِي شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ إطْلَاقَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ إلَّا وَهُوَ يُرِيدُ بِهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. وَالثَّانِي