عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ وقوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} وَقَوْلِهِ: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} قَالَ: (نَسَخَ هَذَا كُلَّهُ قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وقوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} الْآيَةَ) ، وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: قَدْ كَانَ النَّبِيُّ قَبْلَ ذَلِكَ يَكُفُّ عَمَّنْ لَمْ يُقَاتِلْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَلْقَوْا إلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {بَرَاءَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} ثُمَّ قَالَ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عُمُومُهُ يَقْتَضِي قَتْلَ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَغَيْرِهِمْ، وَأَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ، إلَّا أَنَّهُ تَعَالَى خَصَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بِإِقْرَارِهِمْ عَلَى الْجِزْيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} الْآيَةَ، وَأَخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ {كَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً قَالَ: إذَا لَقِيتُمْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَبَوْا فَادْعُوهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَإِنْ فَعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ وَكُفُّوا عَنْهُمْ} ، وَذَلِكَ عُمُومٌ فِي سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ، فَخَصَّصْنَا مِنْهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ بِالْآيَةِ، وَصَارَ قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} خَاصًّا فِي مُشْرِكِي الْعَرَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ. وقوله تعالى: {وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ} يَدُلُّ عَلَى حَبْسِهِمْ بَعْدَ الْأَخْذِ وَالِاسْتِينَاءِ بِقَتْلِهِمْ انْتِظَارًا لِإِسْلَامِهِمْ؛ لِأَنَّ الْحَصْرَ هُوَ الْحَبْسُ. وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ حَصْرِ الْكُفَّارِ فِي حُصُونِهِمْ وَمُدُنِهِمْ إنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَأَنْ يُلْقَوْا بِالْحِصَارِ. وقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} يَقْتَضِي عُمُومُهُ جَوَازَ قَتْلِهِمْ عَلَى سَائِرِ وُجُوهِ الْقَتْلِ، إلَّا أَنَّ السُّنَّةَ قَدْ وَرَدَتْ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ، وَعَنْ قَتْلِ الصَّبْرِ بِالنَّبْلِ، وَنَحْوِهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {أَعَفُّ النَّاسِ قِتْلَةً أَهْلُ الْإِيمَانِ،} وَقَالَ: {إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ.} وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه حِينَ قَتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ بِالْإِحْرَاقِ وَالْحِجَارَةِ وَالرَّمْيِ مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ وَالتَّنْكِيسِ فِي الْآبَارِ إنَّمَا ذَهَبَ فِيهِ إلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَكَذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه حِينَ أَحْرَقَ قَوْمًا مُرْتَدِّينَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ اعْتَبَرَ عُمُومَ الْآيَةِ
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ}
لَا يَخْلُو قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ} مِنْ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مِنْهُمْ شَرْطًا فِي زَوَالِ الْقَتْلِ عَنْهُمْ، وَيَكُونَ قَبُولُ ذَلِكَ، وَالِانْقِيَادُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ هُوَ الشَّرْطَ دُونَ وُجُودِ الْفِعْلِ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ وُجُودَ التَّوْبَةِ مِنْ الشِّرْكِ شَرْطٌ لَا مَحَالَةَ فِي زَوَالِ الْقَتْلِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُمْ لَوْ قَبِلُوا أَمْرَ اللَّهِ فِي فِعْلِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ الْوَقْتُ وَقْتَ صَلَاةٍ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَأَنَّ دِمَاءَهُمْ مَحْظُورَةٌ، فَعَلِمْنَا أَنَّ شَرْطَ زَوَالِ الْقَتْلِ عَنْهُمْ هُوَ قَبُولُ أَوَامِرِ اللَّهِ، وَالِاعْتِرَافُ بِلُزُومِهَا دُونَ فِعْلِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَلِأَنَّ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ لَا يَلْزَمُ بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ إلَّا بَعْدَ حَوْلٍ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ شَرْطًا فِي زَوَالِ الْقَتْلِ، وَكَذَلِكَ فِعْلُ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا شَرْطُهُ قَبُولُ هَذِهِ الْفَرَائِضِ وَالْتِزَامُهَا وَالِاعْتِرَافُ بِوُجُوبِهَا. فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ} فَشَرَطَ مَعَ التَّوْبَةِ فِعْلَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ