وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَشْرِقِيِّينَ إلَى أَنَّهُ إنْ زَادَتْ دِيَتُهُ عَلَى عَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ نَقَصَهَا مِنْ عَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَقَالَ لَا أَبْلُغُ بِهَا دِيَةَ حُرٍّ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا نَبْلُغُ بِهَا دِيَةَ أَحْرَارٍ فَإِذَا كَانَ ثَمَنُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا صَاحِبُهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا أَنَّهَا ثَمَنُهُ، وَكَذَلِكَ إذَا زَادَتْ عَلَى دِيَةِ أَحْرَارٍ أَخَذَهَا سَيِّدُهُ كَمَا تُقْتَلُ لَهُ دَابَّةٌ تَسْوَى دِيَاتِ أَحْرَارٍ فَتُؤْخَذُ مِنْهُ كَانَ وَهَذَا عِنْدَنَا مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ الْمَشْرِقِيِّينَ أَمْرًا لَا يَجُوزُ الْخَطَأُ فِيهِ لِمَا وَصَفْت، ثُمَّ عَادَ بَعْضُ الْمَشْرِقِيِّينَ فَقَالَ يُقْتَلُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَآخُذُ الْأَحْرَارَ بِالْعَبِيدِ وَلَا يَقْتَصُّ الْعَبْدُ مِنْ حُرٍّ وَلَا مِنْ الْعَبْدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَقُلْت لِبَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ وَلِمَ قَتَلْتُمْ الْعَبْدَ وَالْأَعْبُدَ بِالْعَبْدِ قَوَدًا وَلَمْ تُقَيِّدُوا الْعَبْدَ مِنْ الْعَبْدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ؟ قَالَ مِنْ أَصْلِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ فِي الْعَبِيدِ إذَا قُتِلُوا خَطَأً أَنَّ فِيهِمْ أَثْمَانَهُمْ وَأَثْمَانُهُمْ كَالدَّوَابِّ وَالْمَتَاعِ فَقُلْنَا لَا نَقْصَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الْجِرَاحِ لِأَنَّهُمْ أَمْوَالٌ فَقُلْت لَهُمْ أَفَيُقَاسُ الْقِصَاصُ عَلَى الدِّيَاتِ وَالْأَثْمَانِ أَمْ الْقِصَاصُ مُخَالِفٌ لِلدِّيَاتِ وَالْأَثْمَانِ؟، فَإِنْ كَانَ يُقَاسُ عَلَى الدِّيَاتِ فَلَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا قَتَلْت عَبْدًا يَسْوَى أَلْفَ دِينَارٍ بِعَبْدِ يَسْوَى خَمْسَةَ دَنَانِيرَ وَقَتَلْت بِهِ عَبِيدًا كُلُّهُمْ ثَمَنُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَنِهِ وَلَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا حِينَ قَتَلْت بَعْضَ الْعَبِيدِ بِبَعْضٍ وَأَنْتَ تُمَثِّلُهُمْ بِالْبَهَائِمِ وَالْمَتَاعِ وَأَنْ وَلَا تَقْتُلُ بَهِيمَةً بِبَهِيمَةٍ لَوْ قَتَلَتْهَا، فَإِنْ زَعَمْت أَنَّ الدِّيَاتِ أَصْلٌ وَالدِّيَاتُ عِبْرَةٌ لِأَنَّك تَقْتُلُ الرَّجُلَ بِالْمَرْأَةِ وَدِيَتُهَا نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ فَلَمْ تَذْهَبْ مَذْهَبًا بِتَرْكِك الْقِصَاصَ بَيْنَ الْعَبِيدِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إذَا قَتَلْت الْعَبْدَ بِالْعَبْدِ كَانَ أَنْ يَتْلَفَ بَعْضُهُ بِبَعْضِهِ أَقَلَّ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَثْمَانُهُمْ مَعَ مَا يَلْزَمُك مِنْ هَذَا الْقَوْلِ قَالَ وَمَا يَلْزَمُنِي بِقَوْلِي هَذَا؟ قُلْت أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ مَنْ قَتَلَ عَبْدًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى مَنْ قَتَلَ الْحُرَّ مِنْ الْإِثْمِ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ عَلَيْهِ فَرْضُ اللَّهِ وَلَهُ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ وَلَا تَزْعُمُ هَذَا فِيمَنْ قَتَلَ بَعِيرًا أَوْ حَرَقَ مَتَاعًا وَتَزْعُمُ أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ حَلَالًا وَحَرَامًا وَحُدُودًا وَفَرَائِضَ وَلَيْسَ هَذَا عَلَى الْبَهَائِمِ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) رحمه الله تعالى إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَكَمَ عَلَى عِبَادِهِ حُكْمَيْنِ حُكْمًا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ إنْ أُثَابَهُمْ وَعَاقَبَهُمْ عَلَى مَا أَسَرُّوا كَمَا فَعَلَ بِهِمْ فِيمَا أَعْلَنُوا وَأَعْلَمَهُمْ إقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَبَيَّنَهَا لَهُمْ أَنَّهُ عَلِمَ سَرَائِرَهُمْ وَعَلِمَ عَلَانِيَتَهُمْ فَقَالَ {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} وَقَالَ {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} وَخَلْقُهُ لَا يَعْلَمُونَ إلَّا مَا شَاءَ عَزَّ وَجَلَّ وَحَجَبَ عِلْمَ السَّرَائِرِ عَنْ عِبَادِهِ وَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلًا فَقَامُوا بِأَحْكَامِهِ عَلَى خَلْقِهِ وَأَبَانَ لِرُسُلِهِ وَخَلْقِهِ أَحْكَامَ خَلْقِهِ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَا أَظْهَرُوا وَأَبَاحَ دِمَاءَ أَهْلِ الْكُفْرِ مِنْ خَلْقِهِ فَقَالَ {اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وَحَرَّمَ دِمَاءَهُمْ إنْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ فَقَالَ {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} وَقَالَ {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً} وَقَالَ {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ} فَجَعَلَ حِينَئِذٍ دِمَاءَ الْمُشْرِكِينَ مُبَاحَةً وَقِتَالَهُمْ حَتْمًا وَفَرْضًا عَلَيْهِمْ إنْ لَمْ يُظْهِرُوا الْإِيمَانَ، ثُمَّ أَظْهَرَهُ قَوْمٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَأَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ مَا يُخْفُونَ خِلَافَ مَا يُعْلِنُونَ فَقَالَ {يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ} وَقَالَ {سَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ لَكُمْ إذَا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ} مَعَ مَا ذَكَرَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ فَلَمْ يَجْعَلْ لِنَبِيِّهِ قَتْلَهُمْ إذَا أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُنَاكَحَةَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مُوَارَثَتَهُمْ