فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 879

قلت: وهذان القولان يعضدهما سياق آخر الآية من قوله تعالى:"حتى يهاجروا" [النساء: 89] ، والأول أصح نقلا، وهو اختيار البخاري ومسلم والترمذي. و"فئتين"نصب على الحال؛ كما يقال: مالك قائما؟ عن الأخفش. وقال الكوفيون: هو خبر"ما لكم"كخبر كان وظننت، وأجازوا إدخال الألف واللام فيه وحكى الفراء:"أركسهم، وركسهم"أي ردهم إلى الكفر ونكسهم؛ وقال النضر بن شميل والكسائي: والركس والنكس قلب الشيء على رأسه، أو رد أوله على آخره، والمركوس المنكوس. وفي قراءة عبدالله وأبي رضي الله عنهما"والله ركسهم". وقال ابن رواحة:

أركسوا في فتنة مظلمة ... كسواد الليل يتلوها فتن

أي نكسوا. وارتكس فلان في أمر كان نجا منه. والركوسية قوم بين النصارى والصابئين. والراكس الثور وسط البدر والثيران حواليه حين الدياس."أتريدون أن تهدوا من أضل الله"أي ترشدوه إلى الثواب بأن يحكم لهم بحكم المؤمنين."فلن تجد له سبيلا"أي طريقا إلى الهدى والرشد وطلب الحجة. وفي هذا رد على القدرية وغيرهم القائلين بخلق هداهم وقد تقدم.

الآيتان: 89 - 90 {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا، إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا}

قوله تعالى:"ودوا لو تكفرون"أي تمنوا أن تكونوا كهم في الكفر والنفاق شرع سواء؛ فأمر الله تعالى بالبراءة منهم فقال:"فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا"؛ كما قال تعالى:"ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا" [الأنفال: 72] والهجرة أنواع: منها الهجرة إلى المدينة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه واجبة أول الإسلام حتى قال: (لا هجرة بعد الفتح) . وكذلك هجرة المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وهجره من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة. وهجرة المسلم ما حرم الله عليه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه) . وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن. وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديبا لهم فلا يكلمون ولا يخالطون حتى يتوبوا؛ كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع كعب وصاحبيه."فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم"يقول: إن أعرضوا عن التوحيد والهجرة فأسروهم واقتلوهم."حيث وجدتموهم"عام في الأماكن من حل وحرم. والله أعلم.

ثم استثنى فقال تعالى:"إلا الذين يصلون"استثناء أي يتصلون بهم ويدخلون فيما بينهم من الجوار والحلف؛ المعنى: فلا تقتلوا قوما بينهم وبين من بينكم وبينهم عهد فإنهم على عهدهم ثم انتسخت العهود فانتسخ هذا. هذا قول مجاهد وابن زيد وغيرهم، وهو أصح ما قيل في معنى الآية. قال أبو عبيد: يصلون ينتسبون؛ ومنه قول الأعشى:

إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل ... وبكر سبتها والأنوف رواغم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت