فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 879

وإن التصور الصحيح لحقيقة العلاقة بين الموت والأجل المضروب - رغم كل استعداد واحتياط - أمر آخر يجب أن يطاع؛ وله حكمته الظاهرة والخفية، ووراءه تدبير الله. .

توازن واعتدال. وإلمام بجميع الأطراف. وتناسق بين جميع الأطراف. .

هذا هو الإسلام. وهذا هو منهج التربية الإسلامي، للأفراد والجماعات. .

وبهذا ربما ينتهي الحديث عن تلك الطائفة من المهاجرين. ويبدأ الحديث عن طائفة أخرى من الطوائف المنبثة في المجتمع الإسلامي، والتي يتألف منها الصف المسلم ومن سواها. . هذا وإن كان السياق لا انقطاع فيه، ولا فصل، ولا وقفة تنبى ء بأن الحديث الآتي عن طائفة أخرى، وأن الحديث عن هذه الطائفة قد انتهى. . ولكننا نمضي مع الاعتبارات التي أسلفناها:

وإن تصبهم حسنة يقولوا: هذه من عند الله. وإن تصبهم سيئة يقولوا: هذه من عندك! قل: كل من عند الله. فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟! ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك. وأرسلناك للناس رسولا. وكفى بالله شهيدا. من يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا. .

إن الذين يقولون هذا القول، وينسبون ما يصيبهم من الخير إلى الله، وما يصيبهم من الضر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل فيهم وجوه:

الوجه الأول: أنهم يتطيرون بالنبي صلى الله عليه وسلم فيظنونه - حاشاه - شؤما عليهم. يأتيهم السوء من قبله. فإن أجدبت السنة، ولم تنسل الماشية، أو إذا أصيبوا في موقعة؛ تطيروا بالرسول صلى الله عليه وسلم فأما حين يصيبهم الخير فينسبون هذا إلى الله!

الوجه الثاني: أنهم يريدون عامدين تجريح قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم تخلصا من التكاليف التي يأمرهم بها. وقد يكون تكليف القتال منها - أو أخصها - فبدلا من أن يقولوا: إنهم ضعاف يخشون مواجهة القتال، يتخذون ذلك الطريق الملتوي الآخر! ويقولون: إن الخير يأتيهم من الله، وإن السوء لا يجيئهم إلا من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أوامره. وهم يعنون بالخير أو السوء النفع أو الضر القريب الظاهر!

والوجه الثالث: هو سوء التصور فعلا لحقيقة ما يجري لهم وللناس في هذه الحياة، وعلاقته بمشيئة الله. وطبيعة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم لهم؛ وحقيقة صلة الرسول بالله سبحانه وتعالى. .

وهذا الوجه الثالث - إذا صح - ربما يكون قابلا لأن يوسم به ذلك الفريق من المهاجرين الذين كان سوء تصورهم لحقيقة الموت والأجل، يجعلهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية. ويقولون: (ربنا لم كتبت علينا القتال؟ لولا أخرتنا إلى أجل قريب!) . . غير أننا ما نزال نميل إلى اعتبار المتحدث عنهم هنا طائفة أخرى. . تجتمع فيها تلك الأوجه كلها أو بعضها. وهذا الوجه الثالث منها. .

إن القضية التي تتناولها هذه الآيات، هي جانب من قضية كبيرة. . القضية المعروفة في تاريخ الجدل والفلسفة في العالم كله باسم"قضية القضاء والقدر"أو"الجبر والاختيار". . وقد وردت في أثناء حكاية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت