نبينا محمد - -صلى الله عليه وسلم- -، كما قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} النحل:36.
وقد تقدمت الإشارة إلى حرص الباطل الشديد على منع الحق من أن يبسط نفوذه أو ينشر ما لديه من الخير والهداية، وهو لا يتردد في زرع العقبات والأشواك في طريقه، التي تعيق بين رسالته وهدفه وبين الناس .. وقد ذكرنا ـ فيما تقدم ـ الأدلة على ذلك من النصوص الشرعية، وكذلك أدلة الواقع التي تثبت أن الباطل لا يهدأ له بال ولا تقر له عين إلا بعد أن يرد الحق عن حقه أو يُزيله عن الوجود والحياة إن استطاع .. !
وهذا واقع ظاهر لا خفاء فيه .. لا ينبغي أن نطيل الجدال حوله لنثبت صحته .. !
الشاهد مما تقدم: أن الإسلام لا بد له من أن يؤدي رسالته، وهو وجِد لذلك .. وأن القائمين على نصرة هذا الدين الحنيف لا بد لهم من أن يعملوا جادين ومخلصين لنصرة هذا الدين ونشر تعاليمه بين الناس كل الناس، وليس لهم خيار غير ذلك .. وهذا من لوازمه إزالة كل العقبات والأشواك التي يفترشها الباطل في طريق الحق .. ومادة ذلك كله الجهاد في سبيل الله.
فالباطل بكل جيوشه وتجمعاته .. ليس ذلك الخصم السهل البسيط المسكين ـ كما يصور البعض ـ الذي يمكن أن تحسم معه المشاكل من خلال الوعظ أو مجرد الكلمة ـ على طريقة المفتونين بالديمقراطية ـ بعيدًا عن قوة السيف والحديد .. والذين يرون غير ذلك فهؤلاء لم يقرأوا القرآن بعد .. ولم يقرأوا التاريخ ولا الواقع كذلك .. وهم على قلوبهم وأبصارهم غشاوة!
لأجل ذلك نجد أن الله تعالى قد أنزل القرآن الكريم؛ وهو الحق المطلق .. وأنزل معه الحديد فيه بأس شديد ليحمي به هذا الحق .. ويسهّل له رسالته في الوجود.
قال تعالى: {لقد أرسلنا رُسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلمَ اللهُ من ينصرُه ورسلَه بالغيب إن الله قوي عزيز} الحديد:25.
فالحق لا بد له من حديد يحميه ويرد عنه سهام شياطين الإنس والجن .. فحق بلا حديد سهل المنال .. وسهل أن تنتهك حرماته .. وسهل أن يُمنع عن تحقيق أهدافه ورسالته .. وهو عرضة للسخرية والاستهانة من كل مارق أو كافر معاند .. !
فالذي لا يرى الجهاد .. ولا يدعو للجهاد .. ولا يأمر بالجهاد .. فهو ـ بقصد أو غير قصد ـ يُريد أن ينزل بالحق كل أنواع الأذى المتقدمة الذكر أعلاه .. ولا يريد للحق أن تقوم له قائمة عز مشرفة!
تأمل عدد نسخ القرآن الكريم التي تطبع في العالم فهي تتجاوز مئات الملايين .. بل ما من بيت إلا وفيه عدة نسخ من القرآن الكريم .. ولكن لما تخلى الناس عن الحديد وخلت بيوتهم من الحديد .. ضعف أثر القرآن في الوجود!
وهذا الذي يريده الخليفة الثالث عثمان بن عفان - -رضي الله عنه- - من قوله: إن الله ليزع ـ أي ليردع ـ بالسلطان مالا يزع بالقرآن!
خلاصة القول: أن القرآن والحديد رسالتان متوازيتان تسيران جنبًا إلى جنب .. لا مضاء لإحداهما إلا بالأخرى .. وهما للحق كالجناحين للطائر لا يمكن له الطيران والعلو في السماء إلا بهما معًا .. فإن أصيب في أحد جناحيه خرَّ إلى الأرض ووقع .. ولا بد له من أن يقع!
خامسًا: ثم بعد كل ذلك لأن الجهاد في سبيل الله عبادة عظيمة .. التفريط بها تفريط بباب عظيم من أبواب الجنة .. تفريط بالدرجات العُلا .. والخصال الفريدة .. التي لا يمكن أن تتأتى