شين , وخصّه وجمّله بكل زين , وقد جعل الذين اتبعوه فوق جميع الخلق منزلةً وقدرًا إلى يوم القيامة كما أشرنا إليه من حديثه - صلى الله عليه وسلم - (أنه قال) [1] : «لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق إلى يوم القيامة ... » الحديث [2] .
فإن قيل: عيسى - عليه السلام - دعا فنزلت المائدة وعليها أنواع من الطعام , قيل: دعاء محمد - صلى الله عليه وسلم - (كان) [3] أعظم نفعًا وأكثر بركة وأحسن عاقبة , فإن المائدة كان فيها طعام مخصوص لقوم مخصوصين لم يكن عامًّا لجميع المخلوقين مع أن عاقبة نزول المائدة كان شرًا على من طلبها من عيسى - عليه السلام - , فإنهم عُوقبوا إذ لم يشكروا ومُسِخوا خنازير إذ عَصَوا وادخروا , فكانت المائدة عقوبة لهم إذ عذّبهم الله تعالى عذابًا لم يعذب به من كان قبلهم , ثم ارتفعت هذا إن صحّ أنّها نزلت [4] , فأما محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن أمّته لما شكَوا إليه الجدب واستئخار المطر عن إبّانِ زمانه فقالوا له: ادع اللهَ يُغيثنا وكان يخطب على المنبر يوم الجمعة فرفع يديه ودعا فما نزل حتى جاء المطر وجاش كل ميزاب فلم يزالوا يُمطَرُون إلى الجمعة الأخرى , فقالوا: يا رسول الله تهدمت البيوت وانقطعت السبل فادع الله (تعالى) [5] يحبسها عنا فدعا فأقلعت وانجابت عن [6] المدينة انجياب
الثوب وسالَ وادي قناةَ [7] شهرًا ولم يجئ أحد من ناحيةٍ إلا أخبر بالجَوْد [8] , فدعوة
(1) "أنه قال"ليس في ب.
(2) تقدم تخريجه , انظر: 360.
(3) "كان"ليس في ب.
(4) اختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟ قال مجاهد: ما نزلت وإنما هو ضرب مثل ضربه الله تعالى لخلقه فنهاهم عن مسألة الآيات لأنبيائه؛ وقال الحسن: وعدهم بالإجابة فلما قال لهم: {فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ} [المائدة: من الآية 115] استعفوا منها، واستغفروا الله وقالوا: لا نريد هذا؛ والذي عليه الجمهور وهو الحق نزولها لقوله تعالى: {إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ} [المائدة: من الآية 115] . انظر: الجامع لأحكام القرآن (6/ 369) , الكشف والبيان للثعلبي (4/ 127) .
(5) "تعالى"ليس في ب.
(6) في ب"على", وهو خطأ.
(7) وادي قناة: هو الوادي الذي يمر بين المدينة وأُحُد أعلاه الخَنَق , والخنق يأخذ سيل الشُّعبة , وسيل الشعبة: هو وادٍ يأتي من شرف نجد من جهات ضريّة , ويأخذ كل مياه أبلى الشمالية , ومياه حرة النقيع الشرقية ويجتمع مع أودية نخل ونجار والنُّخَيل , والشعبة وأخرى عديدة ثم يدفع في الخَنَق , ومنه إلى سد العاقول , ومن العاقول في قناة ثم في الغابة من إضم مجتمعًا مع العقيق وبطحان , وهي أودية المدينة الثلاثة؛ وذكر محمد بن الحسن المخزومي في أخبار المدينة بإسناد له أن أول من سماه وادي قناة تبع اليماني لما قدم يثرب قبل الإسلام. انظر: فتح الباري (2/ 506) , معجم معالم الحجاز (7/ 1405) , د. عاتق البلادي , الطبعة الثانية 1431 , دار مكة , مكة.
(8) أخرج البخاري (2/ 32) , في أبواب الاستسقاء , باب من تمطر حتى يتحادر على لحيته , ح 1033 , ومسلم (2/ 614) , في كتاب صلاة الاستسقاء , باب الدعاء في الاستسقاء , ح 897 , من طريق أنس بن مالك - رضي الله عنه - , قال:"أصابت الناس سنة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فبينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب على المنبر يوم الجمعة قام أعرابي , فقال يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هلك المال , وجاع العيال , فادع الله لنا أن يسقينا , قال: فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه وما في السماء قزعة , قال: فثار سحاب أمثال الجبال , ثم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر عن لحيته , قال: فمطرنا يومنا ذلك , وفي الغد , ومن بعد الغد , والذي يليه إلى الجمعة الأخرى , فقام ذلك الأعرابي -أو رجل غيره- , فقال: يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال , فادع الله لنا , فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه , وقال: «اللهم حوالينا ولا علينا» , قال: فما جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا انفرجت , حتى صارت المدينة في مثل الجوبة , حتى سال الوادي وادي قناة شهرًا , فلم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود", واللفظ للبخاري.