فلابد أن يقدَّر لقوله في باب الفاعل:
وبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلٌ فإِنْ ظَهَرْ
فَهُوَوَ إلاَّ فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ
وهذا ظاهر.
ثم كلامه وتمثيله مُشْعِر بفوائد، إحداها أن هذا المضمر لا يختلف باختلاف المميِّز، من إفراد أو تثنية أو جمع، ولا يَبْرز أصلا، وذلك في اللغة المشهورة (1) وإنما تقول: نعم رجلًا زيدٌ، ونعم رجلَيْن الزيدان، ونعم رجالًا الزيدون، ونعم امرأةً هندُ، ونعم امرأتين الهندان، ونعم نساءً الهنداتُ.
ووجهُ الإتيان به مُبْهَما هكذا نحوٌ مِمَّا تقدم في الإتيان بالألف واللام الجنسية، من أنه أُبْهِم ذكر/ الممدوح أو المذموم تفخيمًا للأمر، وتعظيمًا للشأن، ثم فُسِّر بعْدُ تعريفًا له، 544 وتخصيصًا من بين سائر أفراد الجنس، وهو في هذا القَصْد نظيرُ ضمير الأمر والشأن.
والثانية أن هذا الممِّيز لازم لقوله: (( ويَرْفَعَانِ مُضْمَرًا يُفَسَّرهُ مُمَيِّز ) )أي مضمرًا هذه صفتُه وحالُه، فلا يجوز إذًا أن يأتي فاعلُهما مضمرا غَير مميَّز لفظًا وإن كان معلومًا إلا قليلا، دَلَ على ذلك الاستقراء.
ومن ذلك القليل قوله عليه السلام: (( مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الجُمعُةِ فبِهَا ونِعْمَتْ(2 ) )) أي: فبالسنَّة أَخَذ، ونِعْمَت سنةُ الوضوء، لكن حُذف للعلم به.
والثالثة بيان أن المميِّز لابد أن يكون فيه وصفٌ هو موجود في
(1) سبق أن ذكر الشارح أن الكسائي حكى عن العرب قولهم: الزيدان نْعَما رجلين، والزيدون نِعْموا رجالًا، وانظر: ابن يعيش 7/ 127.
(2) سنن أبي داود- الطهارة (1/ 97) حديث 354، والترمذي- الصلاة (2/ 369) حديث 497، والبغوي في شرح السنة 2/ 164.