برسالته ضياءً وابتهاجًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا أفواجًا، وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار، وبلغ دينه القيم ما بلغ الليل والنهار، فصلوات الله وسلامه عليه كلما غرد طير وطار.
أما بعد:
فإن الله سبحانه لم يخلق خلقه سدى هملا، بل جعلهم للأمر والنهي محلًا، فلم يخلق سماءً مبنية ولا أرضا مدحية ولا إنسًا ولا جان إلا لعبادته وحده دون ما سواه، قال تعالى: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) ) [الذاريات:56] .
فانقسم الناس إلى شقي وسعيد، ومقرب وبعيد، وأعطاهم مواد العلم والعمل من القلب والسمع والبصر والجوارح نعمة منه وتفضيلًا، فمن استعمل ذلك في طاعته فقد اتخذ إلى مرضاة الله سبيلا، وفاز فوزًا مبينًا، ومن استعملها في شهواته وهواه ولم يرع حق خالقه فقد خسر خسرانًا مبينًا، وسوف يحزن حزنًا طويلًا، فإنه لا بد من الحساب على حق هذه الأعضاء لقوله تعالى: (( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) ) [الإسراء:36] .
اعلم رحمك الله ووفقك لكل خير بأن الله جل وعلا خلق عباده موحدين حنفاء فاجتالتهم الشياطين وأغارت على قلوبهم، وألقت عليهم شراك الغلو والفتنة، وألبست عليهم الحق بالباطل حتى استحسنوه تحت مظلة الحب للأولياء والصالحين، فأوحت إلى أوليائها زخرف القول غرورًا: أن علامة صدق المحبين: خيال في العيون، وذكر في اللسان، ومثوى في الفؤاد بلا غياب.
فأوحت إليهم بعد موت الصالحين أن صوروًا صور الصالحين، واصنعوا تماثيل الأولياء، وارفعوا قبور الأنبياء، فإنه أولى بالمحبين وذكرى للمشتاقين، وأقنعت المخالفين بأن هذا إنما هو محض ذكر الأولياء.
فلما طال عليهم الأمد وانتكست الفطرة، وطالت الفترة، ونسخ العلم وحل الجهل، وهلك القوم، وأنسيت الفكرة.