ولا شك في أن هذا الاختلاف ينطوي على حكمة عظيمة ومصلحة كبيرة يراعيها الشارع الحكيم، لا تتحقق فيما لو تساوت النسبة في جميع أصناف المال.
فلماذا لم تختلف النسبة في ما يسمى بـ (الخمس) حسب صنف المال المتعلق به؟ إذ هي خمس المال في جميع أصنافه؟! وذلك يتناقض مع الحكمة الإلهية؛ لأن مبناها على تنوع النسبة حسب صنف المال لا على ثبوتها.
إن السبب في هذا الإشكال الكبير أنهم ورطوا أنفسهم وربطوا الموضوع بلفظ (الخمس) نفسه، وهو رقم محدد لا يقبل الزيادة ولا النقصان، ولذلك فهم مضطرون لتعميم النسبة ولا محيص لهم عن ذلك نظريًا وإن كانوا عمليًا يتصرفون بالمقادير، حسب ما تسمح به الظروف -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- وهو أمر غريب على طبيعة الدين وغير معروف من أحكامه الشرعية فإنه:
لا وجود في الشرع لشيء اسمه (الخمس) :
إذ إن من الملاحظ أن الحقوق المالية المفروضة شرعًا لها أسماء في هذا الشرع، مثلًا: الصدقة والزكاة والخراج والنفقة والجزية والفيء والغنيمة، ولم نجد من بين هذه الأسماء شيئًا اسمه (الخمس) بهذه التسمية المطلقة المجردة من كل قيد أو إضافة!
وإنما يوجد شيء اسمه (الغنيمة) لا تحل لمن غنمها إلا إذا أدى (خمسها) . فـ (الخمس) مقيد بالغنيمة ومضاف إليها إضافة لا انفكاك له عنها فيقال: (خمس الغنيمة) ، وهكذا جاء النص القرآني الوحيد: (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) ) [الأنفال:41] إذ ورد (الخمس) مقيدًا ومضافًا إلى الضمير (الهاء) العائد إلى مال الغنيمة.
أما أن يوجد حق مالي شرعي له اسم مطلق كالزكاة والخراج ... هو الخمس دون تقييد فهذا لا وجود له. وإذا قيل أحيانًا (الخمس) فإن (الألف واللام) ، تشير إلى المضاف المحذوف وهو (الغنيمة) فكيف ظهر هذا الاسم (الخمس) على صفحة الوجود وصار له كيان مستقل؟ وما الذي حصل؟