ومن المقطوع به أن هذا التصور مخالف، بل ومصادم تماما لدعوة الأنبياء والمرسلين، بل ومناهض على طول الخط لملة إبراهيم الخليل الحنيف - صلى الله عليه وسلم -، الذي أمر الأنبياء من بعده أن يأخذوا بها، ويسيروا على منوالها، لا يرغبون عنها، ولا يلتفتون إلى غيرها أبدا.
لا يجوز عرض الكفر على الأمة تحت أي دعوى أو شعار
فصل: في بيان أنه لا يجوز عرض الكفر على الأمة، وحثهم عليه، بدعوى نصرة الإسلام، وميزان المصالح والمفاسد، إذ أعظم المفاسد كما تقدم الشرك والكفر بالله جل وعلا، فلا مصلحة ترجى بعد ضياع التوحيد والتمكين للكفر.
واعلم أن كل ما يستدل به دعاة الديمقراطية منتقد مُطَّرَح، فهو إما دليل ضعيف الإسناد، أو صحيح غير صريح الدلالة؛ لِطُرُوءِ الاحتمال القوي فيه وَوُرُودِه عليه، في مقابلة الأدلة الواضحة البينة الجلية الدالة على المنع من ذلك، ومما يزيد الأمر وضوحا أنك لا تجد في سبيل المؤمنين قط - النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - أنهم قبلوا عرض الكفر على الأمة بدعوى الحفاظ على الإسلام أو نصرته، وأنى يكون هذا؟!!.
بل قد جاءت الأدلة الواضحة البينة الدالة على أنه لا يجوز عرض الكفر على الأمة مطلقا، وأن هذا ليس محلا للمساومات والأخذ والعطاء، والقبول وأنصاف الحلول، قال تعالى: {بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون:1 - 6] .
فالأمة مأمورة أبدا بعدم قبول الكفر، بل هي مأمورة بأن تأخذ دينها بجد وتستمسك به وتأخذ بأحسنه، وتأمل في قصة أصحاب الأخدود وما قاموا به من الثبات على الإسلام، وعدم الرضوخ للطاغوت، حتى قُتِلُوا جميعا، وسمى الله تعالى ذلك فوزا عظيما، وتأمل قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف:145] .