فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 209

وأهمل المادي كما تصنع الرهبانية والهندوكية والبوذية، أو جنح إلى الجانب المادي وأهمل الروح كما تصنع الجاهلية المعاصرة.

وكما قلنا من قبل في شأن الحركة العلمية نقول الآن بشأن الجانب المادي والتنظيمي من الحضارة، فلقد كان هذا في حاجة إلى ذات العوامل التي كانت مطلوبة لنشأة الحركة العلمية والتي كانت مفقودة أو ناقصة في الحياة العربية قبل الإسلام.

كان في حاجة إلى تجمع واستقرار وأمن وطمأنينة، وكان في حاجة إلى دفعة حيوية هائلة تعوض الانصراف السابق عن هذا المجال، وقد أعطى الإسلام ذلك كله فقامت الحضارة بجانبها المادي والتنظيمي بعد أن كانت قد قامت بقيمها ومبادئها من قبل.

وكما تتلمذ المسلمون على الإغريق لبدء الحركة العلمية، فقد تتلمذوا على فارس وبيزنطة لبدء الجانب المادي والتنظيمي من الحضارة، ريثما يكتسبون حاستهم الخاصة كما اكتسبوا حاستهم الخاصة في المجال العلمي.

ورويدًا رويدًا اكتسب المجتمع الجديد حاسته الخاصة فاستغنى عن الاقتباس، وكان له مشاركته الخاصة والهائلة في هذا المجال وفي غيره من المجالات، كعمارة المدن والبيوت ومد الطرق وتنظيم"الخدمات"العامة.

وهناك شيء تجدر الإشارة إليه بصدد أخذ الأجيال الأولى من هذه الأمة عن الإغريق والرومان والفرس ما لزمهم سواء في المجال العلمي أو المجال المادي والتنظيمي حتى صارت لهم حاستهم الخاصة التي استغنوا بها عن النقل ثم أصبحوا فيما بعد أساتذة في جميع تلك الميادين وصارت أوروبا تتلمذ عليهم في جميع الميادين ..

لقد كانوا يأخذون وهم في موقف العزة والاستعلاء: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139] ، {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون:8] .

إن الأصالة أمر له أهميته البالغة في وقت النقل عن الغير بصفة خاصة. فالأصالة لا تمنع الاستفادة من ثمار العلم وثمار الحضارة المادية -التي هي في النهاية جهد بشري مشترك تتداوله الأمم وتتداوله الأجيال- ولكنها تمنع الذوبان وفقدان الشخصية بتأثير النقل.

وأوثق أسباب الأصالة أن يكون الإنسان صاحب عقيدة وصاحب منهج خاص في الحياة، وقمة ذلك أن يكون الإنسان مسلمًا لأنه يكون عندئذ صاحب العقيدة الصحيحة ومنهج الحياة الصحيح، فإذا كان مسلمًا على النحو الذي كانت عليه الأجيال الأولى فقد تحققت له الأصالة في أعلى قممها، لا التي تمنع الذوبان وفقدان الشخصية بتأثير النقل فحسب، بل التي سرعان ما تكتسب الحاسة الخاصة وتنتقل في فترات وجيزة من الزمن من التتلمذ إلى التمكن إلى الأستاذية ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت