فأما كتاب الله فقد بدأ الوحي منه بالإقراء: {اقْرَأْ} ولذلك دلالته الواضحة خاصة بالنسبة للأمة الأمية التي لا تقرأ ولا تكتب، ثم ثنى بذكر العلم: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:4 - 5] .
ثم لفت الأنظار إلى آيات الله في الكون وأورد في خلال ذلك آيات كونية داخلة في صميم"العلم"، وخاصة في مجال السماوات والأرض ومراحل تكوين الجنين.
ومع أن هذه الإشارات إلى آيات الله في الكون قد قصد بها ابتداء إيقاظ القلب البشري لعظمة الخالق، وقدرته المعجزة، وعلمه المحيط، وهيمنته سبحانه وتعالى على أمر الكون كله وتدبيره له؛ لكي تخشع القلوب للخالق العظيم وتعبده وحده بلا شريك -أي لتصحيح العقيدة-، إلا أن"التوجيه العلمي"واضح فيها بلا شك لأن التفكر والتبصر والتدبر الذي تختم به معظم الآيات التي تتعرض لهذه المجالات كقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أو {يَعْقِلُونَ} أو {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} .. إلخ. هذا التفكر والتبصر والتدبر يسري بطبيعته حتى يشمل محاولة التعرف على"سر"هذه الآيات الكونية وسر الصنعة الربانية الكامنة فيها، وتلك هي النقطة التي يبدأ منها"العلم"، وبدأ منها المسلمون بالفعل توجههم لطلب العلم.
ولما لم يكن عند العرب رصيد علمي سابق لانشغالهم بأمور أخرى، فقد أحس المسلمون بالحاجة إلى الاطلاع على ما كان عند غيرهم من الأمم من العلوم، وهو إحساس لم يشعروا به من قبلُ أيامَ جاهليتهم ولم يتجهوا إليه.
ولما كانت لغة العلم الغالبة يومئذ هي الإغريقية واللاتينية فقد اتجه المسلمون إلى تعلم هاتين اللغتين حتى يستطيعوا نقل العلم إلى اللسان العربي، ومن هذه النقطة بدأوا حركتهم العلمية.
وخلال مسيرتهم العلمية حولوا اتجاه البحث العلمي من المجال النظري الفلسفي التجريدي إلى المجال العلمي التجريبي، وكانت هذه نقلة هائلة في منهج البحث وهي التي أهلت البحث العلمي للآفاق الواسعة التي وصل إليها في القرون الأخيرة.
فالمسلمون هم الذين أسسوا المنهج التجريبي في البحث العلمي، ولا يقف جهدهم العلمي عند تصحيح الأخطاء التي وجدوها عند الإغريق وابتداع علوم جديدة، إنما كان هناك ما هو أهم من ذلك ..
لقد حوى القرآن منهجًا كاملًا للحياة يشمل جزئيات الحياة جميعًا بما فيها"العلم"، ثم يضع كل جزئية في مكانها الصحيح. وهذا الأمر بالذات هو أهم ما قدمته الحركة العلمية الإسلامية وتبدو قيمته خاصة إذا نظرنا إلى الحركة العلمية التي تقدمها الجاهلية المعاصرة في الوقت الحاضر.
إن الإنسان في حقيقته كل متكامل لا يمكن فصل جزء منه عن بقية أجزائه، وحين ينفصل منه جزء عن بقية الأجزاء أو حين يحاول الناس فصل جزء منه عن بقية الأجزاء يحدث الخلل في الكل المتكامل، لأن الارتباط لا يفصم في الحقيقة وإنما يعتل، وإذا اعتل حدث الخلل لا محالة.