فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 209

إنه ذلك الحب الذي ينشئه رباط العقيدة ولا يملك رباط آخر أن ينشئه على هذا النحو الوثيق العميق الشفيف الذي يصل إلى درجة الالتحام.

ولم تكن تلك المؤاخاة طبقية تقوم بين"شريف"و"شريف"، ولا مؤاخاة قومية أو عرقية تقوم بالضرورة بين عربي وعربي .. إنما كانت مؤاخاة بين"مسلم"و"مسلم"بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو اللغة أو الوضع الاجتماعي لأنها الأخوة التي قال الله عنها: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] ، تربط القلوب برباط الإيمان بصرف النظر عن كل رباط آخر.

إنها هي"الأمة"التي قال عنها خالقها سبحانه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] .

إنها الأمة في معناها الحقيقي الذي لم يتحقق في أي تجمع آخر من تجمعات التاريخ.

إنها أمة العقيدة .. ذات الرباط الحقيقي الذي ينشئ الأمة في صورتها الحقيقية.

العقيدة -وهي أعلى ما يمكن أن تقوم عليه حياة الإنسان- هي الوشيجة الحقيقية التي تقوم عليها الأمة الحقيقية .. الأمة الخيرة .. العقيدة وحدها -ولو غابت الروابط الأخرى- هي الرباط الذي تتكون حوله أمة تتآخى بأخوة العقيدة وتترابط برباط الإيمان فتكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، كما قال الحبيب - صلى الله عليه وسلم -.

وإذا كان الإسلام من فيض رحمته وإنسانيته قد حرص على بر الوالدين -وإن كانا مشركين- فالبر شيء والولاء الذي تقوم على أساسه الأمة شيء آخر .. والولاء هو الذي ينفصم انفصامًا كاملًا حين تنفصم رابطة العقيدة، وهو العنصر الحي الذي تقوم به الأمة في ظل العقيدة.

وتلك الأمة -التي قامت على رباط العقيدة- هي التي وصفها خالقها بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] .

في التجمع القائم على العقيدة أو المنبثق في الحقيقة من العقيدة يكون الرباط الأكبر هو رباط الأخوة في الله أقوى الروابط في حياة البشر على الإطلاق.

وبقدر ما يتحقق من هذه الأخوة في عالم الواقع يكون مدى تحقق المعنى الحقيقي للأمة ويكون ثقلها في ميزان الله يوم القيامة كما يكون ثقلها التاريخي في واقع الأرض.

ولا شك أن ذلك الجيل المتفرد هو الذي حقق أكبر قدر من هذه الأخوة ولذلك كان أثقل الأجيال وزنًا عند الله: خيركم قرني [1] .. كما كان أكثرها وزنًا وفاعلية في تاريخ البشرية.

لقد حقق ذلك الجيل تلك الأخوة في كل مجال من مجالات الحياة.

حققها بين المهاجرين في ذوات أنفسهم، كما حققها بين الأنصار كذلك، ثم حققها بين المهاجرين والأنصار في تلك الصورة الرائعة التي وعاها التاريخ.

(1) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت