جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:97 - 99] .
قال سيد قطب رحمه الله:" {قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} لم يكن العجز الحقيقي هو الذي يحملهم إذن على عدم قبول الذل والهوان والاستضعاف والفتنة عن الإيمان، إنما كان هناك شيء آخر! حرصهم على أموالهم ومصالحهم وأنفسهم يمسكهم في دار الكفر، وهناك دار إسلام! ويمسكهم في الضيق وهناك أرض الله الواسعة! والهجرة إليها مستطاعة مع احتمال الآلام والتضحيات. وهنا ينتهي المشهد المؤثر بذكر النهاية المخيفة {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ثم يستثني من لا حيلة له في البقاء في دار الكفر والتعرُّض للفتنة في الدين، والحرمان من الحياة في دار الإسلام من الشيوخ الضعاف والنساء والأطفال، فيعلقهم بالرجاء في عفو الله ومغفرته ورحمته، بسبب عذرهم وعجزهم عن الفرار {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} " [1] اهـ.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى-فيمن تجب عليه الهجرة-:"وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه، ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ... وَسَاءَتْ مَصِيرًا} وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب" [2] .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ» رواه أبو داود والطبراني وصححه الألباني، وقال: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِمَ؟ قَالَ: لاَ تَرَاءَى نَارَاهُمَا» رواه أبو داود والترمذي والبيهقي في الكبرى، وقال: «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ» رواه النسائي والطبراني وصححه الألباني.
ومعنى أن يكون قادرًا على إظهار دينه باختصار: ألا يضطر إلى استعمال التقية.
قال الشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ في مجموعة الرسائل والمسائل (2/ 135) :"لا يقال إنه بمجرد مجامعة ومساكنة المشرك يكون كافرًا؛ بل المراد أنه من عجز عن الخروج من بين ظهراني المشركين وأخرجوه معهم كرهًا فحكمه حكمهم في القتل وأخذ المال لا في الكفر، وأما إذا خرج معهم لقتال المسلمين طوعًا واختيارًا وأعانهم ببدنه وماله فلا شك أن حكمه حكمهم في الكفر"اهـ.
ومما يؤكد وجوب الهجرة؛ حاجة دار الإسلام إلى من يهاجر إليها من المسلمين ليقوى المسلمون بهم على جموع الكفر. ويؤكد وجوبها أيضًا: أن يكون بين دار الإسلام ودار الكفر حرب وقتال، خاصة وأن الكفار ربما لجأوا إلى التترس بالمسلمين المقيمين عندهم.
(1) في ظلال القرآن (2/ 744) .
(2) المغني لابن قدامة (9/ 294) .