وعند انبثاق الفجر نهضنا من النوم على أصوات ملائكية، كأنها هابطة من السماء، تلك هي أصوات المؤذنين يدعون المؤمنين إلى صلاة الفجر التي هي خير من النوم، فقمت مهرولًا، وبعد أن توضأت يممت شطر المسجد الحرام ومعي مطوفي، وكنت أؤدي الصلاة المفروضة طبقًا لإرشاده، ثم بدأت أطوف بالكعبة، فسرني أن رأيت الوفا من الحجاج، من كافة الألوان والأجناس، يقبلون في لهفة على لم الحجر الأسود، وهو رمز تاريخي للإسلام، كان الرسول الكريم يتبرك به ويقبله، وتبعه في ذلك الخلفاء الراشدون، وظلت تلك العادة متبعة للآن، ولقد حاولت مرارًا أن أقترب منه فكان يصدني عن بلوغه كثرة الزحام، وبعد مشقة لمست بيدي سطحه الرمادي الأملس، ولكن ما كدت ألمسه حتى رأيت سيدة من أهالي فرجانة تقع على الأرض إثر صدمات عنيفة من الخلف، وكانت تحمل على ظهرها طفلتها المسكينة التي ستصبح حاجة بعد حين، ولقد قدمت هذه المرأة التقية إلى الحج ممتطية صهوة جواد مع بقية أفراد أسرتها، من بلدها في أواسط آسيا فاستغرق سفرهم أربعة أشهر، ولقد أخبرتني هذه الحاجة أنها كانت تدخر لهذه الزيارة المقدسة من سنوات بعيدة، وأخيرًا حققت حلمها وكانت مبتهجة أشد الابتهاج.
وقمت بعد ذلك للسعي بين الصفا والمروة، وهناك نالني كثير من المشقة والعناء، فجلست بجوار حلاق أخذ يقص خصله من شعري المبعثر عملًا بالسنة الشريفة، ولبثت في انتظار مطوفي ليأخذني إلى جبل عرفات.
وإن اللقاء على جبل عرفات لهو الغرض الأساس تقريبًا للحج، فالحجاج الذين يقدمون إلى جدة متفرقين، يجتمعون كلهم في يوم واحد، ويحشرون في صعيد واحد، وهنا تظهر عظمة الدين الحنيف وحكمته، فقد كان مجموع الحجاج فوق عرفات لا يقل عن خمسين ألفًا، مع أن مكة بمساحتها الشاسعة لا تستطيع أن تأوى مثل هذا العدد الوافر.