الصفحة 24 من 31

من ربوع الغرب إلى بلاد العرب (3/ 4)

د. عبدالكريم جرمانوس

وكنت لأ أزال منزويًا في مقدم الباخرة، حينما أسفرت أضواء الفجر الشاحبة عن هذه البقاع الإسلامية المقدسة، فإذا بجدة تسمو في السماء اللازوردية، بينما تترامى أمواج البحر على أقدامها، تشقه عشرات البواخر والزوارق في حركة متواصلة، يتصاعد منها صخب داو اختلطت فيه كافة لغات الشرق، فأعادت إلى ذهني المكدود بابل بأسواقها وشعوبها، إلا أن المدينة الخالدة كانت تبدو فوق هذه الحياة اللاغظة، كأنما تسمو خلودًا فوق مظاهر مدنيتنا الحديثة الزائلة، وقد برزت منها مآذن في دقة الحراب وقباب كانت شاحبة البياض قبل أن يدنسها دخان بواخر الغرب فكانت ترسو في ظلها المراكب الشراعية حاملة طوائف المسلمين من الهند وجاوة وسومطرا والصين وشواطئ أفريقيا.

واقترب الصابح فاستعد الركاب للنزول وبدأوا يستقلون الزوارق الخفيفة، وكانت النساء يرتدين تلك الملابس البيضاء، سافرات الوجه، لا يجرؤ أحد أن يتطلع إليهن بنظرة، ومن ذا الذي في قلبه مرض فينظر إليهن في هذه الساعة الرهيبة نظرة اشتهاء؟ وفي الواقع أن الجاذبية الجنسية كانت منعدمة تمامًا؟ وقد أبعد الحجاج عن خواطرهم شتى صور الحياة حتى لا يحول شيء بينهم وبين الوصول بقلوبهم إلى نور الله الواحد القهار.

وكان على الشاطئ حشد من الحمالين والمطوفين ومراقبي جوازات السفر، وفريق من موظفي الحكمة لجباية الضرائب، وهم جميعًا يتكلمون لغات شتى،. فما أن يهبط عليهم أحد الحجاج حتى يتلقطه المطوف ويقوده إلى الموظفين المختصين، وبعد إتمام الإجراءات الرسمية يصحبه إلى المسكن المعد لإقامته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت