الصفحة 9 من 9

وما نظير هذا التأويل الفاسد الجاري على ألسنة بعض العوام - اتباعا للهوى لا اتباعا للحق والهدى - إلا كما لو قال بعضهم: يوجد بعض علماء الأمصار لا يوجبون الطمأنينة في الصلاة فلا تنكروا علينا إذا اتبعناهم، أو يوجد من يبيح ربا الفضل فلنا أن نتبعهم، أو يوجد من لا يحرم أكل ذوات المخالب من الطير فلنا أن نتبعهم، ولو فتح هذا الباب فتح على الناس شر كبير، وصار سببا لانحلال العوام عن دينهم، وكل أحد يعرف أن تتبع مثل هذه الأقوال المخالفة، لما دلت عليه الأدلة الشرعية، ولما عليه أهل العلم، من الأمور التي لا تحل ولا تجوز.

والميزان الحقيقي: هو ما دلت عليه أصول الشرع وقواعده، وقد دلت على تحريم الدخان؛ لما يترتب عليه من المفاسد والمضار المتنوعة، وكل أمر فيه ضرر على العبد: في دينه، أو بدنه، أو ماله من غير نفع فهو محرم. فكيف إذا تنوعت المفاسد وتجمعت، أليس من المتعين شرعا وعقلا وطبا تركه والتحذير منه ونصيحة من يقبل النصيحة! فالواجب على من نصح نفسه وصار لها عنده قدر وقيمة أن يتوب إلى الله عن شربه، ويعزم عزما جازما مقرونا بالاستعانة بالله لا تردد فيه ولا ضعف عزيمة، فإن من فعل ذلك أعانه الله على تركه وهون عليه ذلك.

ومما يهون عليه الأمر أن يعرف أن من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، وكما أن ثواب الطاعة الشاقة أعظم مما لا مشقة فيه، فكذلك ثواب تارك المعصية إذا شق عليه الأمر وصعب أعظم أجرا وأعظم ثوابا، فمن وفقه الله وأعانه على ترك الدخان فإنه يجد المشقة في أول الأمر ثم لا يزال يسلو شيئا فشيئا حتى يتم الله نعمته عليه، فيغتبط بفضل الله عليه وحفظه وإعانته، وينصح إخوانه بما ينصح به نفسه والتوفيق بيد الله، ومن علم الله من قلبه صدق النية في طلب ما عنده بفعل المأمورات وترك المحظورات يسره لليسرى، وجنبه العسرى، وسهل له طرق الخير كلها.

فنسأل الله أن يأخذ بنواصينا إلى الخير، وأن يحفظنا من الشر، إنه جواد كريم، رءوف رحيم.

[عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي > في ربيع الأول سنة 1376 هـ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت