البدن والعروق، فيوهن القوى، ويمنع الانتفاع الكلي بالغذاء، ومتى اجتمع الأمران اشتد الخطر وعظم البلاء.
ومنها: إضعاف القلب، واضطراب الأعصاب، وفقد شهية الطعام.
ومنها: السعال، والنزلات الشديدة التي ربما أدت إلى الاختناق وضيق التنفس، فكم له من قتيل أو مشرف على الهلاك.
وقد قرر غير واحد من الأطباء المعتبرين أن لشرب الدخان الأثر الأكبر في الأمراض الصدرية، وهي السل وتوابعه، وله أثر محسوس في مرض السرطان، وهذه من أخطر الأمراض وأصعبها. فيا عجبا لعاقل حريص على حفظ صحته وهو مقيم على شربه مع مشاهدة هذه الأضرار أو بعضها! فكم تلف بسببه خلق كثير! وكم تعرض منهم لأكثر من ذلك! وكم قويت بسببه الأمراض البسيطة حتى عظمت وعز على الأطباء دواؤها! وكم أسرع بصاحبه إلى الانحطاط السريع من قوته وصحته!.
ومن العجب أن كثيرا من الناس يتقيدون بإرشادات الأطباء في الأمور التي هي دون ذلك بكثير، فكيف يتهاونون بهذا الأمر الخطير! ذلك لغلبة الهوى واستيلاء النفس على إرادة الإنسان، وضعف إرادته عن مقاومتها وتقديم العادات على ما تعلم مضرته. ولا تستغرب حالة كثير من الأطباء الذين يدخنون وهم يعترفون بلسان حالهم أو لسان مقالهم بمضرته الطبية، فإن العادات تسيطر على عقل صاحبها وعلى إرادته، ويشعر كثيرا أو أحيانا بالمضرة وهو مقيم على ما يضره.
وهذه المضار أشرنا إليها إشارة، مع ما فيه من تسويد الفم والشفتين والأسنان، وسرعة بلائها وتحطمها وتآكلها بالسوس، وانهيار الفم والبلعوم ومداخل الطعام والشراب حتى يجعلها كاللحم المنهار المحترق تتألم مما لا يتألم منه.
وكثير من أمراض الالتهابات ناشئة عنه، ومن تتبع مضاره وجدها أكثر مما ذكرنا.
فصل
وأما مضاره المالية: فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن إضاعة المال، وأي إضاعة أبلغ من حرقه في هذا الدخان الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ولا نفع فيه بوجه من الوجوه، حتى أن كثيرا من المنهمكين فيه يغرمون الأموال الكثيرة، وربما تركوا ما يجب عليهم من النفقات الواجبة، وهذا انحراف عظيم، وضرر جسيم فصرف المال في الأمور التي لا نفع فيها منهي عنه، فكيف بصرفه بشيء محقق ضرره!.
ولما كان الدخان بهذه المثابة مضرا بالدين والبدن والمال، كانت التجارة فيه محرمة، وتجارته بائرة غير رابحة، وقد شاهد الناس أن كل متجر فيه وإن استدرج ونما ماله في وقت ما فإنه يبتلى بالقلة في آخر أمره وتكون عواقبه وخيمة، ثم إن النجديين ولله الحمد جميع علمائهم متفقون على تحريمه ومنعه، والعوام تبع للعلماء فلا يسوغ ولا يحل للعوام أن يتبعوا الهوى ويتأولوا ويتعللوا بأنه يوجد من علماء الأمصار من يحلله ولا يحرمه، فإن هذا التأويل من العوام لا يحل باتفاق العلماء، فإن العوام تبع لعلمائهم ليسوا مستقلين، وليس لهم أن يخرجوا عن أقوال علمائهم وهذا واجبهم، كما قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} .