الصفحة 23 من 44

نعم إن الجماعة لا بد لها من فكر تتبناه، لكن هذا الفكر الذي تتبناه ينبغي أن لا يتعدى أساسياتها أو الأفكار التي يجب أن تعرب عنها حتى يتمكن الآخرون من الحكم عليها، هل هي مبرئة للذمة أم لا، ومثل هذه الأفكار لا تتعدى أساسياتها بحال، ولا تشمل الأحكام الفرعية مطلقا، فخلاف المرء مع جماعة معينة أو اتفاقه معها على رأي فرعي لا يجعل منها مبرئة للذمة أو العكس، في حين أن خلافه معها في طريقتها أو غايتها أو ... أو ... الخ، هو الذي من شانه أن يجعله يحكم عليها بإبراء الذمة أو عدمه.

وتصور انهيار الجماعة بترك التبني؛ تصور غير صحيح لأنه أصلا وان كان موجودا عند البعض كقانون إلا انه ليس موجودا من ناحية واقعية، وعدم وجوده لم يقض على الجماعة ولم يفقدها لونها، وان كثيرا من الجماعات الموجودة في العالم - إسلامية وغير إسلامية - ليس عندها تبن بالمرة، ومع ذلك فهي قائمة وموجودة.

وخلاصة القول: إن التبني الذي يلزم الآخرين أن يصفوا المباح بالحرام أو ألعكس مثلا، ليس عليه دليل من الإسلام، ولم يقل به احد من الفقهاء، وهو تقليد للمرجوح، وإذا كان الراجح قد احتاج إلى دليل قطعي فحاجة تقليد المرجوح إلى دليل قطعي اكبر وأعظم، ولا دليل لا ظنيا ولا قطعيا، ومن هنا جاء القول بان التبني في الجماعة حرام فرضه أو العمل به أو الدعوة إليه.

على أن الذين يقولون بالتبني؛ لهم اراء ليست متبناه يتفاعلون بها مع الناس، ولا يظهر أي اثر لما كان متبنى من رأيهم وغير متبنى بتفاعلها مع الناس، ولا تظهر عليهم البلبلة ولا الارتباك حين يتفاعلون مع الاخرين بغير المتبنى، فما هي قيمة التبني اذن، خلا التضييق على الناس، بل وتضييق الجماعة على نفسها؟

ان الجماعة التي تطلع إلى النهوض بالمسلمين لا بد ان يكون لها استراتيجية تسعهم جميعا، خاصة وانها تسعى إلى ايجاد الخليفة في ارض الواقع، والخليفة رجل يسع المسلمين كلهم ( ... ) ولا يضيق بابه ابدا على مسلم يستند في رأيه إلى الإسلام، حتى وان خالفه الرأي، وكثيرا ما كان خلاف بعض الجماعات مع الاخرين بسبب التبني، ومثله التعصب للرأي، سببا في التشاحن والتباغض والتدابر، خلافا لما تحتاجه الامة الإسلامية اليوم من جمع للكلمة.

فان جميع دروس الدنيا ومواعظها يمكن جمعها في كلمتين؛ ان سر قوة الكفار في اجتماعهم على رمي المسلمين عن قوس واحدة، وان سر ضعف المسلمين يكمن في تفرقهم وتشتتهم، ولا شك ان فكرة التبني ومثلها التعصب للرأي، قد كان لهما الأثر الأكبر في ذلك.

فإلى نبذ الفرقة والتشاحن والتباغض والتدابر ندعوكم ايها المسلمون، وان تكونوا صفا واحدا كالبنيان المرصوص في وجه عدوكم، وأن تقبلوا ما قبله رب العزة من اختلاف الرأي، فان سر الوحدة يكمن في قبول الخلاف، وما اتحد الكفار الا لما قبلوا الخلاف، ونحن امة كانت الدنيا قبلنا رأيا واحدا - رأي الملك أو القيصر أو الكاهن أو الراهب - ثم لما أنعم الله علينا بالإسلام ( ... ) فصرنا بنعمة الله اخوانا صفا واحدا في وجه عدونا رغم خلافاتنا الشديدة في الرأي، والتي كانت تصل إلى حد الخمسين رأيا في المسألة الواحدة، اثاب الله كل اصحابها، وليس رشدا ان يثيب الله المرء على رأي ونحاربه نحن عليه، أو نتدابر معه أو نتشاحن أو نتباغض.

وما لم نعد كما كنا؛ امة تقبل الخلاف ما دام الرأي يستند إلى الإسلام، وترفض فقط ما لا يستند إلى الإسلام، فلسوف نبقى كما نحن ندور في حلقة مفرغة من غير أي نتيجة، وعدونا يرتع فينا وفي خيراتنا كما يحلو له، فلنقبل ما قبله الله عز وجل واثاب عليه، ولنرفض ما حرمه، حتى نعود كما كنا {خير امة أخرجت للناس} ، مجتمعين على رأس واحدة تسعنا، وان اختلفنا معها ( ... ) كلنا معتصم بحبل الله وان اختلفنا في الفروع، وليرض الواحد منا عمن رضي الله ورسوله عنهم من إخوانه المؤمنين وان خالفوه.

{واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم اعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون * ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت