الصفحة 3 من 5

بسم الله الرحمن الرحيم

"جماعة العدل والإحسان"والتوظيف المنحرف لأدلة الرؤى والفراسة والإلهام

بقلم؛ حمّاد القبّاج

كثيرة هي العقبات التي تعترض طريق الدعوة إلى الله سبحانه، وتحول بين الناس وبين الهدى ودين الحق، وهما العلم النافع والعمل الصالح، المحققان لصلاح القلوب، وزكاة النفوس، واستقامة السلوك.

وإن من أسوأ تلك العقبات، ما يتخلل قافلة الدعوة من بعض المتطفلين المتعالمين، أو المغرضين المصلحيين الذين يدعون إلى أنفسهم أكثر مما يدعون إلى الله، ويُلبسون الدعوة لباس البدعة والحزبية المقيتة، والولاءات غير الشرعية.

ويعد الرد على هؤلاء، وبيان انحرافهم عن المنهج الدعوي الصحيح - والذي تحدده السنة وطريقة السلف - من أوجب الواجبات، وأوكد المطالب، حتى تبقى للحق معالمه، فيجده من طلبه، ويقف عليه من التمسه، ويحيى بذلك من حيى عن بينة ويهلك من هلك عن بينة ...

قال العلامة ابن تيمية: (ولهذا يتغير الدين بالتبديل تارة وبالنسخ أخرى وهذا الدين لا ينسخ أبدا لكن يكون فيه من يدخل من التحريف والتبديل والكذب والكتمان ما يلبس به الحق بالباطل، ولا بد أن يقيم الله فيه من تقوم به الحجة خلفا عن الرسل فينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين فيحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المشركون) [مجموع الفتاوى: 11/ 435] .

أما بعد ...

فقد طلب مني بعض الإخوان أن أكتب مقالا في مناقشة"الحوار العلمي"الذي كتبه محمد بن الأزرق - أحد أتباع"جماعة العدل والإحسان"- دفاعا عن منهج الجماعة في تبني باب الرؤى والإلهام ونحوهما، والطريقة التي يوظفونه بها [1] .

وقد اجتهد كاتبه في إقامة مستند شرعي لمنهج الجماعة في ذلك.

ويأتي هذا"الحوار"حميّة للجماعة ومرشدها عبد السلام ياسين في سياق ما تتعرض له في هذه الآونة الأخيرة من ردود تستهدف التحذير من انحرافاتها وانزلاقاتها الخطيرة.

ويؤسفني أن أقول: لقد سلك كاتب الحوار مسلك أهل الأهواء، في كونهم يذكرون من النصوص ما لهم دون ما عليهم؛ فقد عالج مسألة اطلاع بعض الناس من غير الرسل على الغيب، علاجا ظهر فيه ذلك الانحراف المنهجي، ولم يأت هذا البيت من بابه.

فقد كان المفروض أن ينطلق فيه - أو على الأقل يُذكِّر - بمسألة عقدية معلومة من الدين بالضرورة وهي {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} .

ولو فعل لكان ذلك أدعى لسلامته مما وقع فيه من المخالفة الصريحة لهذه الحقيقة القرآنية، وذلك في قوله: (إن الله يطلع من يشاء من عباده على المغيبات الماضية والحاضرة والمستقبلة، ولا تشترط النبوة لذلك أبدا، وله في ذلك سبحانه طرق شتى ووسائل عدة، يعرفها أهل العلم الراسخون) !

كذا قال! وأرجو من القارئ أن يضع سطرا على قوله"المغيبات"، ويتنبه لما تتصف به هذه الكلمة من الإطلاق والذي أكده بقوله: (الماضية والحاضرة والمستقبلة) .

ياسين يجوز اطلاع الأولياء على اللوح المحفوظ، ويدعي ذلك لنفسه:

وهذا الإطلاق يتبناه ياسين في فكره المنكوس ومعتقده الممسوس، حيث يصرح في كتاباته بأن الاطلاع على اللوح المحفوظ ممكن لبعض الأولياء، بل وواقع من كثير منهم، وأنه يسعى لهذا الأمر!

ومن ذلك قوله في"تنوير! المؤمنات" [1/ 290] : (ما لِي أتغذى من فُتات موائد الكرام، ولا أبحث كما بحثوا لأزاحم بالركب! كبار الصوفية كالغزالي؛ ينظرون في اللوح المحفوظ، فما مُقامي أنا في ظُلمة الجهل! وابن تيمية يقرأ في اللوح المحفوظ وينبئُ بغيب المستقبل، كيف؟! لوح محفوظ؟! وعلم غيْب؟! وابن تيمية؟! إِي نعم! لا أذكر لك الصفحة والجزء لكي تقرئي كتاب"مدارج السالكين"لتلميذ ابن تيمية الذكي الزكي، الذي قص كيف راجع شيخه حين أخبره شيخه أن المسلمين ينتصرون في معركة مع التتار، وأخبره شيخه أنه رأى ذلك في اللوح المحفوظ) !

القول باطلاع الأولياء على اللوح المحفوظ عقيدة صوفية خطيرة:

وكيف لا يتبنى ياسين هذا الضلال وهو من عقائد أئمته الصوفية؛ كعبد الكريم الجيلي [انظر كتابه؛ الإنسان الكامل: 1/ 122 وغيرها] ، وعبد العزيز الدباغ [الإبريز: ص 151 وما بعدها] ، والشعراني [الطبقات الكبرى: 2/ 150] ، وعلي حرازم ابن العربي برادة [جواهر المعاني: 1/ 53] ، والشاذلي ...

قال أوسطهم واصفا شيخه علي الخوّاص: (وكان محل كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والإثبات، فكان إذا قال قولا لابد وأن يقع على الصفة التي قال، وكنت أرسل له الناس يشاورونه عن أحوالهم فما كان قط يحوجهم إلى كلام بل كان يخبر الشخص بواقعته التي أتى لأجلها قبل أن يتكلم فيتحير الشخص) [2] .

فهؤلاء سلف ياسين في هذا الضلال، وقد قيل:

ومن يكن الغراب له دليلا ... يمر به على جيف الكلاب

فيمسي من روائحها عليلا ويصبح تاركا خط الصواب

ومما يتعين التنبيه عليه ههنا: أن كلام ياسين ومشايخه معناه؛ تجويز علم الغيب لبعض الأولياء، وهم بهذا يرفعونهم إلى درجة أعلى من درجة الأنبياء الذين نفى القرآن عنهم هذه الصفة، وجعلها خاصة برب العالمين سبحانه.

وهذا لا يستبعد من الصوفية الذين يقول إمامهم الأكبر ابن عربي:

مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي

فهم يعتقدون أن مقام الولاية أعظم من مقام النبوة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

كاتب المقال يدعو إلى عقيدة مرشده بطريقة مراوغة:

وقول الكاتب: (إن الله يُطلع) ، فيه تمويه - قصَده أو لم يقصده - شبيه إلى حد بعيد بذلك التمويه الذي تسمعه من أولئك المشعوذين المتطفلين حيث يقولون لقاصدهم من أجل الاستشفاء: (الشافي هو الله) ، ثم يَتبعون في علاجهم المزعوم له ما تتلو الشياطين على ملك سليمان!

فالكاتب يقرر عقيدة شيخه، لكن بأسلوب مراوغ ماكر.

نور يبدد تلك الظلمات:

وللمنصف الباحث عن الحق وسط أمواج التلبيس هذه أن يتأمل في ما يلي:

-لا يعلم الغيب إلا الله؛

آية سورة الجن: قال الله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} .

قال العلامة ابن الجوزي: ( {قل إن أدري} أي ما أدري، {أقريب ما توعدون} من العذاب، {أم يجعل له ربي أمدا} أي غاية وبعدا، وذلك لأن علم الغيب لله وحده، {فلا يظهر} أي: فلا يطلع على غيبه الذي يعلمه أحدا من الناس، {إلا من ارتضى من رسول} لأن من الدليل على صدق الرسل إخبارهم بالغيب والمعنى أن من ارتضاه للرسالة أطلعه على ما شاء من غيبه، وفي هذا دليل على أن من زعم أن النجوم تدل على الغيب؛ فهو كافر) [زاد المسير: 8/ 385] .

وقال العلامة القرطبي: (والأولى أن يكون المعنى: لا يظهر على غيبه إلا من ارتضى أي اصطفى للنبوة فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه؛ ليكون ذلك دالا على نبوته ... قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه، بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه [3] ممن يضرب بالحصى وينظر في الكتب ويزجر بالطير ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر، مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه) [تفسير القرطبي: 19/ 28] .

فصل

حديث الرُّبيع رضي الله عنها

عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: (جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل حين بني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلَت جويرات لنا يضربن بالدف، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال:"دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين") [رواه البخاري] .

قال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: (وإذا كان الله تعالى لم يؤت الرسل ما لم يؤت غيرهم من أسباب التصرف في المخلوقات ومن علم الغيب، وكان كل من التصرف بالقدرة الذاتية وعلم الغيب خاصا به عز وجل، يستحيل أن يشاركه غيره فيه، فمن أين جاءت دعوى التصرف في الكون وعلم الغيب لمن هم دون الرسل منزلة وكرامة عند الله تعالى من المشائخ المعروفين وغير المعروفين؟!) [تفسير المنار: 7/ 425] .

قلت: فلا يجوز أن يقال لمخلوق أنه يعلم الغيب، {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خزائن اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} ، {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} .

كما لا يجوز أن يقال لمخلوق أنه يُظهره"يُطلعه"الله على الغيب غير الرسل والأنبياء، {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول} .

فصل

قال أبو حيان في معرض تفسيره لقول الله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} :(ولقد يظهر من هؤلاء المنتسبة إلى الصوفية أشياء من ادعاء علم المغيبات والاطلاع على علم عواقب أتباعهم وأنهم معهم في الجنة مقطوع لهم [4] ولأتباعهم بها، يخبرون بذلك على رؤوس المنابر، ولا ينكر ذلك أحد هذا مع خلوهم عن العلوم يوهمون أنهم يعلمون الغيب.

وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"ومن زعم أن محمدا يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية".

والله تعالى يقول: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} .

وقد كثرت هذه الدعاوى والخرافات في ديار مصر، وقام بها ناس صبيان العقول، يسمعون بـ"الشيوخ"، عجزوا عن مدارك العقل والنقل وأعياهم طلاب العلوم.

فارتموا يدعون أمرا عظيما ... لم يكن للخليل ولا الكليم

بينما المرء منهم في انسفال ... أبصر اللوح ما به من رقوم

فجنى العلم منه غضا طريا ودرى ما يكون قبل الهجوم

إن عقلي لفي عقال إذا ما أنا صدّقت بافتراء عظيم) [5] .

فصل

لا ننكر الرؤى والفراسة والإلهام

وأما كون الرؤى من المبشرات، وكون بعض عباد الله ملهمين، وأن فراسة المؤمن تصيب أحيانا؛ فهذا ثابت، ولا يتنافى مع ما سبق، وبيانه في ما يلي:

أما كون الرؤى الصالحة من المبشرات:

فهذا فيه نصوص - راجع لها تفسير ابن كثير، عند قوله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} .

وكذلك الفراسة؛ في ثبوتها نصوص:

قال ابن القيم رحمه الله: (ومن منازل {إياك نعبد وإياك نستعين} منزلة الفراسة، قال الله تعالى: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} ، قال مجاهد رحمه الله:"المتفرسين") [مدارج السالكين: 2/ 484] .

وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم) [حديث صحيح رواه الطبراني في الأوسط 3086، وهو مخرج في الصحيحة 1096] .

والفراسة [6] الإيمانية؛ فتح من الله على من كان شديد التمسك بالسنة، معتصما في منهجه ودعوته وكل أحواله بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فيكون مسددا في نظره ورأيه، ويفتح الله له في أبواب الخير، ومن ذلك أن يَفتح له سبحانه في فهم كلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم،

حقيقة ما نقل الكاتب وشيخه عن ابن تيمية:

ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره كاتب الحوار - محمد بن الأزرق - عن الإمام ابن تيمية:

ففي وقعة التتار بالشام سنة اثنتين وسبعمائة؛ كان يخبر المسلمين بأنهم سينتصرون، لا لأنه اطلع على الغيب، ولكنه استدل بقول الله تعالى: {ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله} .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (وكان الشيخ تقي الدين بن تيمية يحلف للأمراء والناس إنكم في هذه الكرة منصورون، فيقول له الأمراء؛ قل إن شاء الله، فيقول؛ إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، وكان يتأول في ذلك أشياء من كتاب الله، منها قوله تعالى: {ومن بغي عليه لينصرنه الله} ) [البداية والنهاية: 14/ 23] .

وعلى ضوء هذا يفهم قول شيخ الإسلام: (كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ؛ أنهم مهزومون في هذه الكرة، وأن النصر لجيوش الإسلام) .

فإن القرآن في اللوح المحفوظ.

قلت: فهذا الفهم فتح من الله، والناس متفاوتون في هذا - كما بين ذلك ابن القيم في"إعلام الموقعين"- وحاشا شيخ الإسلام أن يدعي ما نسب إليه من الكذب والبهتان.

وأما كون بعض عباد الله محدَّثون ملهمون؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم أناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد منهم، فهو عمر بن الخطاب) [متفق عليه] .

قال ابن القيم: (والمحدَّث؛ هو الذي يحدث في سره وقلبه بالشيء، فيكون كما يحدث به) [مدارج السالكين: 1/ 39] .

قلت: وظاهر الحديث أن هذا نادر الوجود في هذه الأمة.

الذي ننكره هو التوظيف المنحرف:

فهذه الأمور لا يشك عالم أنها ثابتة شرعا، والمردود على منظري"العدل والإحسان"توظيفها توظيفا منحرفا؛ ومن ذلك جعلها"من وسائل الله! لإطلاع غير الرسل على الغيب المطلق"، فهذا غلط وانحراف خطير، وهذا الباب ليس أبدا من باب الاطلاع على الغيب، لأن الآية السابقة من سورة الجن نفت ذلك نفيا صريحا قاطعا للنزاع، وبينت أن الله لا يُطلع على الغيب إلا الرسل والأنبياء عليهم السلام، فالرؤى مبشرات، وتأويلها قد يخطئ وقد يصيب، فهل يصح أن نقول؛ هي وسيلة يطلع بها الله بعض الناس على الغيب؟! وأما الفراسة فالأمر فيها أظهر.

وغالب ما نقله كاتب"الحوار"عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو من باب الفراسة والتوسم، وليس من باب الاطلاع على الغيب، وقد ذكره ابن القيم في كلامه عن الفراسة، والتي عرَّفها بأنها: (خاطر يهجم على القلب ينفي ما يضاده، يثب على القلب كوثوب الأسد على الفريسة) [مدارج السالكين: 2/ 484] .

فأين هذا من علم الغيب؟! وكيف نجزم بأنه إطلاع من الله على الغيب؟!

قال أبو المظفر بن السمعاني في القواطع [7] : (وأما الفراسة؛ فنسلمها، لكن لا نجعل شهادة القلب حجة، لأنا لا نتحقق كونها من الله أو من غيره) .

على أنني أقول: ليست الحجة في دين الله في أحوال أو أقوال العلماء، وإنما الحجة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعرض عليهما الأقوال والأحوال، فما وافقهما قُبل، وما خالفهما رد على صاحبه كائنا من كان، وكتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم مليئة بتقرير هذا الأصل الأصيل والركن المتين في دين الله، وبيان أنه من المحكمات التي ترد إليها المشتبهات.

وأما التحديث أوالإلهام فقد سبق أنه نادر في هذه الأمة، وقد حصل لبعض الناس في الأمم السابقة - كأم موسى، وحواريي عيسى - ووقوعه لبعض الناس، ليس من باب الإطلاع على الغيب، وقد سبق أن المحدَّث هو الذي يحدث في سره وقلبه بالشيء فيكون كما يحدث به، فمن أين له الجزم أن ذلك الشيء واقع لا محالة؟! اللهم إلا إذا استنبط ذلك من آية أو حديث بما يؤتاه من فهم فيهما - كما سبق - فقد يحصل له بذلك الاستنباط غلبة ظن أو يقين بوقوعه.

قال الإمام ابن تيمية:(والمحدَّث يأخذ عن قلبه أشياء، وقلبه ليس بمعصوم، فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان عمر رضى الله عنه يشاور الصحابة رضى الله عنهم ويناظرهم ويرجع إليهم في بعض الأمور، وينازعونه في أشياء فيحتج عليهم ويحتجون عليه بالكتاب والسنة، ويقررهم على منازعته ولا يقول لهم أنا محدث ملهم مخاطب، فينبغي لكم أن تقبلوا مني ولا تعارضوني.

فأي أحد ادّعى أو ادّعى له أصحابه أنه ولي لله وأنه مخاطب، يجب على أتباعه أن يقبلوا منه كل ما يقوله، ولا يعارضوه، ويسلموا له حاله، من غير اعتبار بالكتاب والسنة، فهو وهم مخطئون، ومثل هذا من أضل الناس؛ فعمر بن الخطاب رضى الله عنه أفضل منه وهو أمير المؤمنين، وكان المسلمون ينازعونه فيما يقوله، وهو وهم على الكتاب والسنة، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم) [مجموع الفتاوى: 11/ 207] .

فظهر أن هذا أيضا ليس من باب الاطلاع على الغيب الذي خص الله به رسله.

فصل

إرسال الملائكة إلى الأولياء

وأما قول كاتب"الحوار": (يجوز أن يبعث الله إلى بعض الأولياء ملكا أو أكثر، يطلعونهم على بعض غيبه) .

فخارج عن موطن النزاع لأن الله أطلع رسوله - وهو هنا الملك - على هذا الغيب، ثم أخبر به هو بدوره، وهذا كما كان يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الناس ببعض الغيوب، فليس هذا موضوع البحث.

ثم إن قوله: (يجوز أن يبعث الله إلى بعض الأولياء ملكا) .

خطأ ظاهر بهذا الإطلاق، فإن إرسال الملائكة إلى الناس لا يعرف في هذه الأمة، ولم يحصل للصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فضلا عن غيرهم ممن هو دونهم في الفضل والعلم والتقوى، فكيف يدعيه بعض العوام من مريدي"العدل والإحسان"؟!

فصل

صورة أخرى للتوظيف المنحرف

وكما غلا القوم في باب الرؤيا والفراسة والإلهام إلى حد أن جعلوه مطية لما زعموه من إمكانية العلم بالغيب لغير الرسل، فقد غلوا فيه حتى جعلوه من أصول دعوتهم، ومن الأدلة على صحة منهجهم.

وهذا أيضا توسع لا تساعدهم عليه النصوص التي ساقها الكاتب، ومنها تلك المتعلقة بالرؤيا، والتي سبق أن ذكرنا أنه حمّلها ما لا تحتمل على عادة أهل الأهواء والبدع في الاستدلال - للأسف الشديد -

يبينه ما يلي:

المنهاج النبوي في الدعوة:

إن المنهاج الدعوي يُرجع فيه إلى نصوص القرآن والسنة، وإلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، وبالرجوع إلى هذه المصادر؛ لا نجد فيها، ما يدعو إلى اعتماد المبشرات من رؤى وغيرها كأصل ومنطلق في هذا الباب.

وأقول على غرار ما سبق: ليس النزاع في كون الرؤى من المبشرات، وكون بعض عباد الله ملهمين، وثبوت فراسة المؤمن، والاستفادة من ذلك في إطار الاستبشار والتفاؤل، ولكن النزاع في جعل ذلك منطلقا ومنهجا في الدعوة والتربية، فإن هذا لم يكن يقينا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

أما الجماعة فجعلوه أصلا [8] إلى حد أن قصروا في التزام المنهج النبوي في الدعوة، والقائم على؛

-العلم والتفقه في الدين.

-تربية الناس على أحكام وآداب القران والسنة.

-تزكية النفوس وترقيق القلوب بالوعظ والتذكير بالوعد والوعيد.

ولم نطالع في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان من هديه بناء مواقفه في التربية وإقامة الدولة والجهاد والتعليم؛ على رؤى الصحابة، وفي ذلك وقائع محدودة لا تمثل منهجا ولا سنة مطردة - وذلك كواقعة الأذان التي أخذ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم برؤيا عبد الله بن زيد رضي الله عنه [9] -

وحتى لو كان هذا من منهجه عليه الصلاة والسلام، فالحجة في إقراره صلى الله عليه وسلم، لا في مجرد الرؤى التي تقص عليه، كما أن رؤاه هو صلى الله عليه وسلم حجة في نفسها؛ حيث قام الإجماع على أن رؤيا الأنبياء وحي.

أما الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة، فكان منهجهم الدعوي؛ قائما على الأصول المذكورة آنفا، وكانت الرؤى عندهم أحوالا فردية، تسر ولا تغر، وتبشر ولا تلزم.

فصل

رؤى خطيرة على عقيدة المسلمين

وإن مما يؤكد توظيف القوم المنحرف للرؤى، وعدم التزامهم فيها بالهدي النبوي السلفي، استعمالهم لها لتكريس ما يتبناه مرشدهم عبد السلام ياسين من عقائد منحرفة.

ومن ذلك ما نقلت بعض المواقع الإلكترونية وغيرها مؤخرا عن هذا الأخير، من إقراره لرؤى اشتملت على انحرافات عقدية خطيرة:

منها على سبيل المثال؛ إقراره [10] للرؤيا المزعومة من بعض العاميات، أنها رأت أمه، فأخبرتها أن من رآه دخل الجنة، ومن سمع به دخل الجنة، فأخبرها؛ أن إثنان من الإخوان يذهبون لقبرها ويكلمونها وتكلمهم!

ومنها: إقراره للرؤيا المزعومة من بعض الجاهلات، والتي رأت فيها أن الشياطين ذهبوا عنها لما ذكرت ياسين واستغاثت به، بينما لم يحصل ذلك لما قرأت القرآن!

ومنها: ما رآه! بعضهم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاله في معرفة الطريق الموصل إلى الله على ياسين!

هذا كله لتثبيت تعلق أتباعه به، وأنه طوق نجاة، وملاذ للعباد، وأنه ينبغي أن يُسلس له القياد.

ومن التوظيف المنحرف للرؤى عند القوم؛ جعلها دليلا على أفضلية جماعتهم وسلامة منهجها، وضرورة الانضمام إليها، وهذا نوع من الدعوة إلى التكتل والتحزب المنهي عنه شرعا.

ومن الرؤى"المزكية"لمنهجهم؛ تلك التي زعموا فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثنى على كتاب"المنهاج النبوي"، وأن هذا الأخير مقدم على صحيح البخاري!

(1) وقد أُثبِت في الصفحة الرئيسية لموقع الجماعة في الشبكة العنكبوتية بتاريخ:28 رمضان 1426 الموافق لليوم الأول من شهر نوفنبر2005.

(2) الطبقات الكبرى 2/ 250.

(3) أي شابهه، كالمتصوفة.

(4) من كلام ياسين:"واسمعوا من رجل وضع قدما في الآخرة، وهو ينتظر قضاء الله ليضع القدم الثانية ويلقى الأحبة محمدا وصحبه"! الإسلام بين الدعوة والدولة ص.28

(5) البحر المحيط 4/ 149

(6) وسيأتي تعريف ابن القيم للفراسة

(7) نقلا عن فتح الباري 12/ 388

(8) سيما في الآونة الأخيرة، حيث جعلوا يوظفون الرؤى لتزكية منهجهم الدعوي، وتصحيح فكر مرشدهم، وتهيئة الأجواء لخطواتهم العملية القادمة، ويحاولون إقناع الناس أن هذه الرؤى التي تواترت بين أتباع الجماعة خاصة! شاهدة بصحة منهجهم في الدعوة والتربية! وأنهم على الطريق الصحيح لإقامة الخلافة على منهج النبوة. وقد حاول بعضهم نفي هذا التوظيف المنحرف عن الجماعة في مقال نشر بموقعها بتاريخ:7/ 11/2005 لكنه محجوج بواقع ما له من دافع.

وقد حاولوا في هذا المقال أن يقنعوا القراء بأنهم يعملون بباب الرؤى في إطار المشروع، وهذه مكابرة وتدليس، يكفي في كشفه الاطلاع على صور التوظيف المنحرف عندهم لباب الرؤى ونحوه، وعلى ما اشتملت عليه كثير من تلك الرؤى من المنكرات، وقد ذكرت شيئا من ذلك كله في هذا المقال.

(9) انظر: سنن الترمذي 1/ 358، وسنن أبي داود 1/ 189، ومسند أحمد 4/ 42، سنن الدارمي 1/ 286، صحيح ابن خزيمة 1/ 189

(10) وقد تجاوز الأمر في بعض الأحيان مجرد الإقرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت