ما هو رأي محمد الغزالي في قضية تولي المرأة منصب الحكم أو الوزارة والنيابة؟
الجواب:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فإن الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - قد صرح في آخر كتبه - فيما نعلم- وهو"السنة بين أهل الفقه والحديث"بأنه لا مانع من تولي المرأة رياسة الدولة، مع تسليمه بأن حديث: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة) صحيح سندًا ومتنًا ولكنه فسره بتفسير خاص وهو أن نظام أهل فارس لم يكن شورى، والمرأة التي تولت الأمر لم تكن ذات كفاءة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول.
قال الشيخ الغزالي: (ولو أن الأمر في فارس شورى، وكانت المرأة الحاكمة تشبه"جولدا مائير"اليهودية التي حكمت إسرائيل، واستبقت دفة الشؤون العسكرية في أيدي قادتها لكان هناك تعليق آخر على الأوضاع القائمة) [السنة بين أهل الفقه والحديث ص 48 - 49] .
كما أجاز تولي المرأة للقضاء في كتابه [مستقبل الإسلام ص 65] فقال: (إذا تولت المرأة القضاء، وأحيت ما مات من أمر الله، فالإسلام يرحب بالمرأة قاضية) .
وقال ردًا على من أنكر عليه ذلك: (إنك ممن يكرهون النساء اتباعًا لتقاليد أضرت الإسلام وما نفعته) .
كما احتج على جواز أن تكون المرأة حاكمة بقصة بلقيس ملكة سبأ حيث قال في كتابه"السنة بين أهل الفقه والحديث": (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الناس في مكة سورة النمل، وقص عليهم في هذه السورة قصة ملكة سبأ، التي قادت قومها إلى الفلاح والأمان بحكمتها وذكائها، ويستحيل أن يرسل حكمًا في حديث يناقض ما نزل عليه من وحي) !! ثم يقول [في صفحة 50] : (هل خاب قوم ولو أمرهم امرأة من هذا الصنف النفيس) ؟
ولكن العجيب في هذا الموضوع أن الشيخ الغزالي منع تولي المرأة للحكم والقضاء في كتابه"من هنا نعلم" [ص160] فهو يرد بنفسه على نفسه حيث قال:(أما موقف الإسلام من تولي المرأة القضاء ومن توليها المناصب العامة فمعروف:
أ)إن الإسلام في القضايا المدنية اعتبر شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، ورفض قبول شهادتها في قضايا الحدود وأشباهها مطلقًا، فكيف يقبل قضاؤها فيما ترفض فيه شهادتها؟
ب) والقضاء منصب له جلاله، وللقاضي على الناس ولاية عامة وسلطان واسع، فإذا كان الإسلام يجعل الرجل قوامًا على المرأة في البيت وهو المجتمع الصغير فكيف يجعل المرأة قوامة على الرجل في المجتمع الكبير) انتهى.
وقال أيضًا في كتابه"من هنا نعلم" [ص 161] : (وتكليف الإسلام أن يعينهن قاضيات أو وزيرات ظلم للطبيعة وافتيات على المصلحة العامة) .
كما نقل كلامًا لأستاذة عملت في المحاماة أكثر من عشر سنين، وكان مما قالت:(فإني أعلن في صراحة أن النيابة والمحاماة معًا تتنافيان مع طبيعة المرأة، وتتعارض مع مصلحتها، وأعلن إشفاقي على البقية الباقية من فتياتنا المثقفات اللاتي ما زلن بخير أن يجربن هذه التجربة المريرة المضنية، وأهيب بهن أن ينجون بأنفسهن من عاقبة لا يدركن مرارتها إلا بعد أن يقعن فيها، ويهدمن بأيدهن صرح سعادتهن، لقد تحطمت
أعصابنا نحن المحاميات من إرهاق المهنة وعنائها، ومن محاربتنا للطبيعة وتنكبنا طريق الواقع، بالله ماذا تكون العاقبة إذا خضعت النائبة لطبيعتها واستجابت لحقها في الحياة فتزوجت ورزقت أطفالًا، فاقتلعتها من بينهم طبيعة التحقيقات والانتقالات والمعاينات، وتركت زوجها قعيد الشارع يهجر بيته آناء الليل وأطراف النهار، وماذا تصنع النائبة إذا عينت في بلاد نائية عن أهلها، وليس بها للسكن غير استراحة موظفين، هل تبيت ليلتها مع زملائها من الرجال؟ إن الدين والأخلاق تحتم أن تعيش المرأة بعيدة عن مواطن الفتنة والإغراء والزلل، واختلاطها على هذه الصورة يعرضها لخطر محقق وضرر مؤكد ... ).
ثم تقول: (ولقروية ساذجة في حجرها طفل أفضل للأمة وأنفع للبلاد من ألف نائبة وألف محامية، وحكمة الله فيكن أن تكن أمهات لانائبات ولا محاميات) انتهى ما نقله الشيخ الغزالي في كتابه.
من هنا نعلم معجبًا به. ولا شك أنه كلام جيد نفيس صادر من خبير. وعلى أية حال فقد تعقب كثير من العلماء الشيخ الغزالي وردوا عليه هذه الآراء المتعلقة بتولية المرأة رئاسة الدولة أو القضاء، والوزارة ... .إلخ.
ولا يتسع المقام لذكر كل ذلك، لكننا نذكر لك شيئًا منه فنقول:
أولًا: قال صاحب كتاب"ولاية المرأة في الفقه الإسلامي": جعل الشيخ الغزالي العلة في منع ولاية المرأة في الحديث فساد نظام الحكم عند فارس، وعدم كفاية المرأة الحاكمة، ولم يقل أحد من الفقهاء والمحدثين والمفسرين قبله بهذه العلة في بيان الحديث، وليس في ألفاظ الحديث ما يدل لذلك، فليس في الحديث بيان نظام الحكم عند فارس، ولا ذكر لصفات المرأة الحاكمة أو كفايتها، إنما ورد ذكر المرأة فقط عندما سأل: من ملك عليهم بعد كسرى؟ قالوا: بنت كسرى، فقال صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة) فلفظ امرأة نكرة عامة، والعلة فيها الأنوثة ... ثانيًا: أجمع فقهاء الأمة منذ العصور الأولى لهذه الأمة على أنه لا يجوز تولي المرأة الإمامة العظمى، أو رياسة الدولة في أي بلد إسلامي.
قال إمام الحرمين الجويني: (وأجمعوا أن المرأة لا يجوز أن تكون إمامًا) [الإرشاد ص 427] .
وقال القرطبي: (وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إمامًا، وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه) [تفسير القرطبي 1/ 270] .
ثالثًا: ذهب الجمهور إلى منع المرأة من تولي القضاء وقالوا بشرط أن يكون القاضي ذكرًا، ولا يجوز أن تتولى المرأة القضاء مطلقًا، ولو وليت أثم المولي وتكون ولايتها باطلة، وحكمها غير نافذ في جميع الأحكام، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، وزفر من الحنفية.
رابعًا: الاستدلال بقصة بلقيس ملكة سبأ لا يصح لأنه عمل القوم الكافرين الذين كانوا يسجدون للشمس من دون الله [النمل:24] وسليمان عليه السلام لم يسلم بحكومتها وملكها، بل أمرها وقومها أن يأتوا إليه مذعنين، قال تعالى: حكاية عن سليمان: {ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} [النمل:31] وختم الله هذه الواقعة بإسلام هذه المرأة، وليس فيها ما يدل على أن الله تعالى مدحها وأثنى عليها ولا ما يدل على أن سليمان عليه السلام أبقاها على ملكها.
قال الألوسي في روح المعاني: (وليس في الآية ما يدل على جواز أن تكون المرأة ملكة، ولا حجة في عمل قوم كفرة على مثل هذا المطلب) [روح المعاني 19/ 189] .
خامسًا: حديث: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) حديث صحيح سندًا ومتنًا، وقد رواه البخاري في صحيحه، والترمذي، والنسائي، والبيهقي في السنن الكبرى، والحاكم. وقد استدل به العلماء على عدم جواز تولية المرأة الإمامة العظمى، أو الخلافة، أو رياسة البلد، أو رياسة الوزارة أو أشياء من الولايات العامة لأن الحديث إخبار من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن عدم فلاح من ولو أمرهم امرأة، ولاشك أن عدم الفلاح ضرر، بل هو من أشد الضرر، والضرر يجب اجتنابه، فيجب اجتناب تولية المرأة، لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب.
قال الخطابي: (في الحديث أن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء) .
وقال الشوكاني: (فيه دليل على أن المرأة ليست من أهل الولايات، ولا يحل لقوم توليتها، لأن تجنب الأمر الموجب لعدم الفلاح واجب) [نيل الأوطار 8/ 274] .
سادسًا: الولاية العامة من الرياسة أو الوزارة أو القضاء أو النيابة ... لها أعباء جسيمة تتطلب قدرة كبيرة، ولا تتحملها المرأة عادة إلا بمشقة كبيرة تتنافى مع طبيعتها النفسية والجسدية والعاطفية، وتعتريها أحوال خاصة كالحمل، والوضع، والرضاع، والحيض والنفاس إضافة إلى تربية الأولاد. ومن هنا كان منعها من ذلك مناسبًا.
وإذا أردت المزيد فارجع إلى كتاب:"حوار هادئ مع محمد الغزالي"للشيخ سلمان العودة، وكتاب"ولاية المرأة في الفقه الإسلامي"تأليف: حافظ محمد نور - رسالة ماجستير -
والله أعلم
[عن مركز الفتوى > الشبكة الإسلامية > بإشراف د. عبد الله الفقيه > 21 رجب 1422 هـ]