معرفة العلم الذي هو قول الله ورسوله، لا من أجل تقليد العالم، إذ العلماء ليسوا معصومين عن الخطأ والهوى.
ولهذا لم يجعل الله وصف العلم سببا في دخول الجنة، بل قال تعالى: {فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} (النساء 69) ، إذ من العلماء من هم علماء سوء كعلماء بني إسرائيل، يحرفون الكلم عن مواضعه، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا، كما وصفهم القرآن في آيات كثيرة.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن إتباع أمته سنن اليهود والنصارى حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه، ومن أظهر سنن أهل الكتاب تحريفهم الكلم عن مواضعه، واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله بطاعتهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، كما قال صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم حين قال: (ما عبدناهم يارسول الله!) ، فقال له (ألم يكن يحلون لكم الحرام ويحرمون الحلال فتطيعونهم) قال: (بلى!) ، قال صلى الله عليه وسلم: (فتلك عبادتهم) .
والمقصود أنه لا طاعة للعلماء ولا للأمراء، بل الطاعة لله ولرسوله، فإن أمروا بما هو طاعة لله ورسوله كالجهاد، وتحكيم الشرع، وإقامة العدل، ودفع الظلم ... الخ، وجبت طاعتهم لكونهم أمروا بما أمر الله ورسوله به، فإن أمروا بما هو معصية أو بما فيه شبهة حرمت طاعتهم ووجبت معصيتهم، بل طاعتهم حينئذ كفر وشرك بالله، ومن اتخاذهم أربابا من دون الله.
وقد أفتى شيخ الإسلام بوجوب قتال التتار، لما غزو الشام، وأخذ يحرض المسلمين على جهادهم، ويرد على من أفتى بحرمة قتالهم بدعوى أنهم دخلوا الإسلام، حتى قال شيخ الإسلام لمن معه إن رأيتموني في صفهم فاقتلوني! تأكيدا منه رحمه الله أن قتال التتار لا شبهة فيه البتة، وأن رجوعه عن رأيه فيما لو رجع لا يغير من حكم الله ورسوله شيئا في وجوب جهادهم، بل الواجب على المسلمين حينئذ لو رجع شيخ الإسلام عن فتواه ووقف في صف التتار أن يقاتلوه معهم ولا يغتروا به، إذ الحي لا تؤمن عليه الفتنة، ودين الله لا يعرف بالرجال، بل بالآيات البينات، فإذا دهم العدو أرض الإسلام فقد وجب بالإجماع دفعه، وصار الجهاد حينئذ فرض عين على أهل البلد التي دهمها العدو وفرض كفاية على من يليهم من المسلمين، فإن عجزوا عن دفعه صار فرض عين على من يليهم حتى يعم الحكم جميع المسلمين - كما بيناه وفصلناه في فتوى ببطلان اشتراط الراية والإمام للجهاد -
ومثل هذا الحكم الذي هو فرض عين بالإجماع لا يكون محلا للاجتهاد، ولا يحتاج المسلمون في معرفته إلى العلماء، ولا يستطيع العلماء أن ينسخوا الحكم المجمع عليه، ويحرم على المسلمين طاعتهم في ذلك، وإنما هذا الأمر من المعلوم من الدين بالضرورة القطعية،