رد على العنبري في كتابه"الحكم بغير ما أنزل الله"
[الكاتب: محمد القرشي]
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد الأوّلين والآخرين وآله وصحبه، أمّا بعد:
توقّفت كثيرًا قبل أن أمسك القلم للردّ على هذا الكتاب، وذلك لأمرين:
أوّلهما: أن الكتاب بالجملة ليس فيه ما نخالفه، وإن زعم أنّه يردّ على المخالفين وعلى أصحاب الفكر المنحرف والذي صار قريبًا إلى فكر الخوارج.
ثانيهما: أن الكاتب -عفا الله عنّا وعنه- تجرّأ في نقل نصوص لو فهمها لكانت الفيصل فيما أسماه بالخلاف معنا، فهو مع أنّه أثبت خلافًا إلاّ أنّه ما استطاع في كتابه إلاّ أن ينقل أقوال السلف، وكأن المخالف لا يعرفها أو لم يقل بها أو طعن فيها، مع أنّ النقول التي احتجّ بها هي نفس النقول التي احتجّ بها من سمّاه بالمخالف والمتسرّع والمتحمّس والمتأثّر بأفكار غريبة عن نهج السلف، والحقيقة يصدق عليه القول في المثل العربي المعروف"رمتني بدائها وانسلّت"..
وأنا هنا لا أدافع عن شخص بعينه، ولا أدفع شخصًا بعينه، بل أحاول مناقشة الفكرة وإثبات أنّ هذا الأخ وأمثاله كالحلبيّ هم الذين تجرّأوا على السلف والخلف، بل ولدعم فكرتهم جمعوا أقوال من لا يجوز الاحتجاج بهم لأنّهم معطّلة جبريّة مرجئة، كالرازيّ مثلًا، وأرى أنّ هذا ليس من الإنصاف المزعوم في شيء، ولا في إثبات الحقّ في شيء.
وكذلك مثلًا نسخ كلام الشيخ العلامة مفتي الديار والجزيرة سابقًا محمد بن إبراهيم آل الشيخ بنقل عن تلميذه أنّ له كلامًا يخالف هذا الكلام ويخصّصه بل ويردّه! سبحان الله! وهذا مما لا أرضاه لطالب علم وطالب حقّ، هدانا الله وإيّاكم سواء السبيل.
والآن نرجع إلى الكتاب لنعلّق على بعض ما فيه، ونشرع بالمقصود وبالله نستعين:
قول المؤلّف: (فهذا الأصل الأصيل، يدخل فيه كلّ مشرّع ما لم يأذن به الله، كائنًا من كان، حاكمًا أو غيره، دون المبتدعة خاصّة، فإنّهم مندرجون فيه اندراجًا أوّلًا، ولا يقتصر عليهم، فمن فعل مثل ما فعلوا، واقترح حكمًا يخالف به حكم الله وجعله دينًا يُعمل به، فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور حاكمًا كان أو غيره(1) . فثبت بذلك أن إطلاق القول بتكفير كلّ من لم يحكم بما أنزل الله من غير تفريق أو تفصيل -كما عليه بعض المعاصرين- مخالف لإجماع أهل السنة والجماعة، وأنّ الحقّ الذي لا مدفع له هو التفصيل). إنتهى كلامه.
كان هذا زبدة ما كتبه ونقله عن كثير من العلماء سلفًا وخلفًا، وزعم أنّ بعض المعاصرين الذين يقولون بكفر الحكّام لم يقولوا به.
والحقيقة أنّ الأمر بخلاف ذلك، ولو حكّمنا النصّ الذي نقله الأخ العنبريّ عن ذلك الإمام الجليل، للزمه القول بما قلناه، وعلم أنّ هؤلاء المعاصرين ليسوا مخالفين لمنهج السلف الصالح.
فقول (2) الإمام الجليل الحافظ إسماعيل في تفسير آيات المائدة - ونحن ننقل من كتابه دون زيادة ولا نقصان بإذن الله - .. فمن فعل مثل ما فعلوا، المقصود بالآيات التي نزّلت في حادثة الرجم وأنزل الله سبحانه {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله .. } إلى قوله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة] ، وإذا نقلنا ومن كتاب الأخ العنبري نفسه سبب النزول وطبّقناه على واقعنا وعلى ما أورده هذا العالم الحافظ الذي ختم به حديثه في الباب، علمنا، علم اليقين، أيّ الفريقين أحقّ بالسلف وفهم السلف، وأيّهم أحقّ بالصواب، بإذن الحقّ سبحانه.
قال المؤلّف ص 84: (وقد يساعدهم على ذلك سبب نزول هذه الآية، كما في صحيح مسلم من حديث البراء بن عازب صلى الله عليه وسلم قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهوديّ محممًا مجلودًا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا تجدون حكم الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى -عليه السلام- أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنّك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحدّ، قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنّي أوّل مَن أحيا من أمرك إذا أماتوه، فأمر به فرجم. فأنزل الله عزّ وجلّ {يا أيّها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ... } إلى آخر الآيات) .
فما كان فعل أولئك اليهود؟ هل جحدوا، أو كذبوا؟ لا إنّهم لم يفعلوا شيئًا من ذلك، والذي فعلوه هو أنّهم بدّلوا حكم الله الرجم واخترعوا وشرّعوا وعدّلوا هذا الحكم إلى التحميم والجلد.
فحكم الله عزّ وجلّ على هذا الفعل بأنّه تكذيب ومسارعة في الكفر، وسبب النزول فيه الغاية في التفسير، والعموم يدخل فيه من كان في مثل حكمه، وهذا الذي قاله الإمام الذي نقلت يا أخي عنه قوله «فمن فعل مثل ما فعلوا» .
والآن نأتي للمحكّ!!
فهل فعل حكّام المسلمين مثل ما فعل يهود أم لا؟!
الحقّ يقال، ولإنصاف الذين نزلت الآيات في حقّهم! إنّ حكام المسلمين فعلوا ما هو أبشع من ذلك.
فاليهود كانوا يعاقبون الزاني وإن غيّروا الحكم من الرجم إلى الجلد، وحكّام المسلمين لا يعتبرون الزنا أصلًا جريمة ما لم يكن اغتصابًا، بل إنّهم يعاقبون من يقف ضدّ الزناة أو يتّهمهم بالزنا ويعتبرونه متدخّلًا بالأمور الشخصية التي لا يسمح قانونهم الكافر لأحد أن يتعدّى على حرّية الآخرين ما دامت في سبيل نشر الفساد والرذيلة.
بل وأكثر من ذلك فتحوا بيوت الدعارة ورخّصوا لها وحموها باسم القانون. بل وأشدّ من ذلك فإنّ كثيرًا من البلاد لا تسمح بالتعدّد وتحرّمه ولا تمانع باتّخاذ الأخدان.
أليس كلام السلف مع من قال بتكفير هؤلاء ... اللهمّ نعم.
وأما في باب كشف الشبهات ودرء الاعتراضات، فقال حفظه الله وهداه: (ويمكن أن نقسم ما اعترضوا به وما اشتبه عليهم إلى قسمين كبيرين: الأوّل تعلّقهم بظواهر بعض الآيات القرآنية وفهمهم لمدلولها فهمًا يضاهي فهم الخوارج. الثاني: لَوْيهم لبعض أقوال أهل العلم وتحميلها ما لم تحتمل، وبتر بعضها بما يتوافق ويتناسق مع ما يذهبون إليه) إنتهى كلامه.
والحقيقة -أخي في الله هدانا الله جميعًا سواء السبيل- أنّ ما أثبتناه في الأسطر الماضية كفيل لردّ كلامه في النقطتين، وحيث أعاد هنا مرّة ثانية كلام العلماء في الخوارج، فسأضرب صفحًا عن النقاش في النقطة الأولى، وحيث وضّحنا أنّه يضع أطرًا لنفسه ثم ينقل أقوال أهل العلم ليوهم القارئ أن المخالف يقول بهذه الأقوال المشينة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وحتّى لا يطول الكلام سأضرب مثلًا واحدًا -إن شاء الله تعالى- في باب النقل عن أهل العلم، ونرى من يبتر الكلام نحن أم هو، ومن يأتي بكلام يخالف العلماء سلفًا وخلفًا ومن يلوي كلام أهل العلم.
قال العنبريّ: (وربّما نقل أحدهم نصًّا من نصوص هؤلاء العلماء، ثمّ قام بحذف بعض كلمات التي لو أثبتها لهدم ما بناه وأعلاه ثم استعاض عن ذلك المحذوف ببعض النقاط ... وهناك نصّ لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- نقله أحدهم وقد حذف منه هذه الكلمة الفاصلة «وإلاّ كانوا جُهّالًا» ووضع بدلًا منها ثنتين من النقاط. «فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلاّ بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلّوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفّار( .. ) والحكم بما أنزل الله واجب على النبيّ صلى الله عليه وسلم وكلّ من اتّبعه، ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر» . والحقّ أن هذا النصّ من الأهمية بمكان حيث أن شيخ الإسلام قد فصّل الحكم الشرعي في حكّام مجتمعات زمانه وهي تشبه إلى حدّ كبير المجتمعات القائمة اليوم، ولم يكتب إلاّ من استحلّ الحكم بخلاف ما أنزل الله، وشيخ الإسلام هو شيخ الإسلام، جارٍ على التفصيل الذي فصّلناه، فماذا يريد هؤلاء؟! -ما زال الكلام للعنبري- وهاك النصّ كاملآً غير منقوص: «ولا ريب أنّ من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحلّ أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلًا من غير اتّباعٍ لما أنزل الله فهو كافر، فإنّه ما من أمّة إلاّ وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله سبحانه وتعالى كسوالف البادية وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنّة، وهذا هو الكفر، فإنّ كثيرًا من الناس أسلموا ولكن مع هذا لا يحكمون إلاّ بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أن لا يجوز الحكم إلاّ بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلّوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفّار وإلا كانوا جهّالًا» ، ثمّ يقول العنبريّ هداه الله: وهذا النصّ نقله بعض هؤلاء المشار إليهم إلى قوله: «فهم كفّار» وحذف ما بعده!).
هكذا قال هداه الله، وقالها ناقلًا عنه ذلك الجهبذ علي الحلبي الأثري، وحاولت أن أفهم ما قيمة ما أشاروا إليه من حذف هذه الجملة «وإلا كانوا جهّالًا» فيما نحن فيه، وجعلها العنبري هادمة لما علا من البناء، اللهم لا حول ولا قوّة إلاّ بك، حسبي الله من قوم يدافعون عن طواغيت الأرض أكثر مما يدفعون الأذى عن إخوانهم في الدين والطريقة والمسلك، بل ينتقصون المسلمون ويذبّون عن أولئك المجرمين.
هل نحن في باب الحديث عن العذر بالجهل، أم أنّنا في باب الحديث عن حكّام وقضاة ومشرّعين لا تخفى عليهم أمور الدنيا والدين، بل يتفنّنون في حرب الدين وباسم الدين وبأقلام أهل الدين .. فهل هؤلاء من المعذورين بالجهل الذي ذكره شيخ الإسلام؟ وهل لا يعلمون مع كلّ هذه الصيحات ونصائح العلماء والدعاة والوعّاظ، أنّ الحكم بما أنزل الله واجب حتميّ، وأنّ الحكم بغير ما أنزل الله شرك وكفر وظلم وضلال مبين.
وأمّا أنّه ركّز على كلمة استحلّ وجعلها بالخطّ الأسود الواضح، فكلام شيخ الإسلام يشرح معناها ولا تحتاج من العنبري أو غيره أن يشرحها لنا، فمن حكم وهو يعلم أنّه لا يحلّ له ذلك فهو مستحلّ، ولذلك فانظر إلى قوله «فمن استحلّ أن يحكم بين الناس بما رآه عدلًا ... » . وليس معنى يستحلّ أن يعتقد بقلبه ولسانه، فهذا خلاف اعتقاد أهل السنّة، فإنّ أهل السنّة يرون أن الكفر العملي منه ما هو مخرج من الملّة كما الكفر الاعتقادي، ومنه كفر أصغر.
وهذا يفسّر الحديث الصحيح الصريح «إلاّ أن تروا كفرًا بواحًا» ولم يقل عليه أفضل الصلاة والسلام إلاّ أن تنبشوا قلبه وتروا هل يستحلّ بقلبه أم لا؟! إذ لو قالها صلوات ربيّ وسلامه عليه لكلّفنا المحال، فإنّ القلوب لا يعلم ما فيها إلاّ الله سبحانه وتعالى، ونحن لنا الظاهر، والظاهر يدلّ على الباطن .. هكذا قالها العلماء ...
ولنا مع الأخ العنبريّ لقاء آخر إن شاء الله تعالى ..
الحمد لله ربّ العالمين القائل في كتابه العزيز {ولا تُزكّوا أنفسكم هو أعلمُ بمن اتّقى} ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين بين يدي عذاب وفتن، يصبح الرجل فيها مُسلما ويُمسي كافرًا، يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا زائل.
أمّا بعد:
فبعد أن بيّنت توهّمات الأخ العنبري في الردّ الماضي، وأظهرت له نصيحة - إن شاء الله تعالى - وللمسلمين أنّ الفرق الواضح بيننا وبينه - وهذا الحوار في الأصل منطلقًا من بوتقة واحدة وهي المنهج السلفي في التلقّي والتطبيق - أقول الفرق الواضح كان في تطبيق المناط، وإيقاع أقوال السلف المترجم للآيات والأحاديث موقعها، وهذه كانت الانطلاقة في المناقشة، وسنزيدها إيضاحًا مع ردودات على الأصل وعلى أسلوب العرض وسرد الأدلّة، إن شاء الله. والله هو المسؤول أن يجعل هذا الجهد خالصًا لوجهه، ولبنة صغيرة في البناء العظيم للخلافة الراشدة القادمة، عمّا قريب بحول الله وقوّته.
وقفة؛ الإرهاب الفكري وتزكية النفس:
استخدام الإرهاب الفكري في مقدّمته، فانظر إليه يقول: (ولولا الذي رأيت من تسرّع الكثيرين في التكفير، واستطالتهم في أعراض المسلمين، وما ينتج عن ذلك من التمزّق والتفرّق في كلّ كوكب، لما سَهُلَ عليّ الانتصاب لهذه المسائل الخطيرة التي تَبَعْثَر في ساحتها كلّ محقّق، ويتلبّد عند تشعّب طرائقها كلّ مدقّق، ولا يهتدي بالصواب فيها إلاّ أفرادٌ من أهل الورع والبصيرة ممّن هم على منهج السلف حقيقة، لا يُقدّمون على كلمات الله ورسوله بفهم السلف والأئمة، ما تمليه عقولهم، أو تستملحه أذواقهم ... ) إلى آخر تطريزه، الذي من قرأه وقع في نفسه الخوف من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ومخالفة السلف والأئمة، ويقول القارئ في نفسه: «فليس وراء كلام العنبري إلاّ الضلال المبين ومخالفة سيّد الأوّلين والآخرين» . فهل هذا هو الحقّ؟!
وقفة أخرى؛ التزكية:
فقد زكّاه مقدّمُ الكتاب تزكيةً عجيبة، ثمّ هو زكّى نفسه وكتابه إلى درجة استحى أئمّة الهدى العظام أن يفعلوا هذا بأنفسهم -وحاشاهم من ذلك- وبكتاباتهم التي يحتاجها كلّ مسلم .. نعم إنّ السلف كان الواحد منهم يقول «زمن احتيج فيه لأمثالي لزمن سوء» ، وأمّا العنبري وأمثاله فيعتبرون كتاباتهم «المنقذ من الضلال» ، فانظروا إلى مقدّمه الدكتور يقول: (ولقد ألفيت كتاب الأخ الشيخ خالد بن علي بن محمد العنبري «الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير في ضوء الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمّة» قد وافق عنانه مخبره في التزام منهاج النبوّة وفهم سلف الأمّة في جميع مسائله وقضاياه، فأجزل الله له المثوبة جزاء ما بحث ونقّب، وفتّش ورتّب» [ص4] . ثمّ يقول: «فجاء الكتاب فريدًا في بابه) [ص5، مقدّمة الدكتور صالح السدلان] .
يقول المؤلّف: (لولا الذي رأيت من سوء صنيع كثيرٍ ممّن نصّب نفسه كاتبًا أو موجّهًا أو داعية إلى الله، أو مفتيًا، مِنْ رميهم الحكّام بالكفر المطلق مجانبين التفصيل ... ) إلى آخره.
فمن نصّبك أنت يا أستاذ خالد لتكون كاتبًا ومُفتيًا إذا كان هؤلاء نصّبوا أنفسهم -كما تقول- فمن الذي نصّبك؟!
وقوله «: (ولا أحسب أنّ في الكتب المعاصرة من نسج على منواله في التجرّد والموضوعيّة ... وأقول للذين يسخطون: حسبه أنّه محض نصيحة موافق للنصوص الصريحة، تتصبح به البصائر الضالّة، وتنكشف برأيه معالم الهدى ... ) إنتهى كلامه.
وأقول له: قال صلى الله عليه وسلم: «أُحثوا في وجه المدّاحين التراب» ، ولا تعليق بعد ذلك، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قصّة الملك الصالح النجاشي:
قال ص 63 - وبئس ما قال- (وقد كان من الميسور أن نريح أنفسنا من التأصيل والتقعيد، ومؤنة هذا البحث العتيد، لو أنّ المعاصرين قنعوا بتأمّل هذه الواقعة الفريدة التي وقعت في العهد النبويّ الشريف، إذ كان النجاشيّ ملكًا على قومه يحكم بينهم بغير ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، خوفًا من قومه أن يفتكوا به، فلم يحكم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم بالردّة والخروج من الملّة، إذ لو كان الحكم بغير ما أنزل الله -من غير جحود واستحلال- كفرًا أكبر مخرجًا من الملّة بالكلّية لما صلّى عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم الجنازة وأصحابه. - ما زال الكلام للعنبريّ - يقول شيخ الإسلام -رحمه الله- «وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يُطِعه قومه في الدخول في الإسلام، بل إنّما دخل معه نفرٌ منهم، ولهذا لمّا مات لم يكن هناك من يصلّي عليه، فصلّى عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم في المدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلّى فصفّهم وصلّى عليه وأخبرهم بموته يوم مات، وقال «إنّ أخاكم صالحًا من أهل الحبشة مات» ، وكثير من شرائع الإسلام -أو أكثرها- لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولم يُجاهد ولا حجّ البيت، بل قد رُويَ أنّه لم يكن يصلّي الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان، ولا يُؤدّي الزكاة الشرعيّة، لأنّ ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم. ونحن نعلم قطعًا أنّه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن، والله قد فرض على نبيّه ? بالمدينة أنّه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلاّ بما أنزل الله إليه، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه وهذا مثل الحكم في الزنا للمحصن بالرجم، وفي الديات بالعدل والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع، النفس بالنفس، والعين بالعين وغير ذلك، والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإنّ قومه لا يقرّونه على ذلك» منهاج السنّة].» إنتهى نقل العنبري بحرفه.
قال مُقَيِّدُه عفا الله عنه: أخذت أقلّب الموضوع من عدّة وجوه، لألتمس للكاتب عذرًا في نقل مثل هذا الكلام والذي لا يقول به رجلٌ من أهل السنّة بل ولا من أهل الإسلام إلاّ أن يكون مُرجئًا أخو جَهَم في الإرجاء، بل أخو إبليس في التلبيس على المسلمين والإيحاء لهم بأنّه ملتزم منهج السلف وأئمة الهدى.
أين منهج السلف، هل السلف يقبلون إيمان رجلٍ لم يعمل شيئًا قطّ، بل ويشهدون له بالصلاح؟! اللهم غفرانك! وإنّي هنا أنبّه إلى حقيقة مهمّة جدًّا، وهي: أنّ هذه القصّة الفريدة: إمّا أنّها فريدة العين لا تتكرّر أبدًا، لخصوصيّة في الزمان والمكان.
وإمّا أنّها ناسفة للدعوة المحمّدية والإسلام من أساسه!
ولا أظنّ مسلمًا إلاّ ويقول أنّها حالة خاصّة أخذت حكمًا خاصًّا بشهادة صاحب الرسالة المعصوم ?.
وأريد أن أنبّه القارئ، والكاتب نفسه لعلّه يشطب هذه النقولات من كتابه في طبعة قادمة، ويتوب إلى الله من تزويراته التي زيّنها بعنوان «النقولات عن أئمة الهدى وسلف الأمّة» ، «وأنّه كتاب التزم فيه منهج السلف» . ليصبح الكتاب له الواقع الذي يوافق العنوان، ويكون نصيحة للمسلمين حقًّا.
أقول، وأريد التنبيه على الآتي:
1 -لقد نقل الكاتب نفسه تكفير السلف لمن جعل الإيمان مجرّد المعرفة دون العمل والتطبيق الفعلي للقرآن والسنّة.
قال الكاتب ص18: «ومعلوم أن التكذيب بالقلب لا سبيل لمعرفته والكشف عنه، ومن ثمّ فلا يتحقّق كفر إنسان قطّ إلاّ بالنص الخاص في شخص شخص، وقد كفّر السلف من يقول بهذا القول ... » إنتهى كلام الكاتب. (وقد نقل هذا الكلام من ذيل الكتاب للمؤلّف: عن ابن الوزير «الإيثار» ص419، وشيخ الإسلام ابن تيمية، كتاب الإيمان 179) .
ففي هذه المقدّمة ينقل تكفير السلف لمن جعل التكذيب هو مناط التكفير.
وهو بعد صفحات، ص62 ينقل لنا هذه القصّة العجيبة، والتي اقتطع جزءًا من كلام شيخ الإسلام فيها.
ومن المعلوم بالضرورة أنّ شيخ الإسلام وغيره من علماء الأمّة لا يقرّون حاكمًا ولا محكومًا على هذا الحال من ترك كلّ الواجبات حتّى الصلاة، ثمّ يحكم له بالإسلام، بل بالصلاح!
2 -لقد نقل إجماعَ الصحابةِ الإمامُ ابن حزم الأندلسي على كفر تارك الصلاة، فكيف بمن تركها مع الزكاة والصيام والحجّ والجهاد؟
3 -أين نحن من أحاديث الوعيد في ترك الصلاة والزكاة، هل نُسخت هذه بقصّة النجاشيّ أم أنّها قائمة إلى قيام الساعة أو رفع العلم والقرآن؟ أين نحن من قوله صلى الله عليه وسلم: «من حافظ عليها -أي الصلاة- كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف» [رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وابن حبّان في صحيحه، وسنده جيّد] . وهناك أحاديث يعرفها العامّة فضلًا عن «المحقّقين» أمثال الكاتب؟
4 -ما هذا الحرص الشديد في الدفاع عن الحكّام، وردّ الناس عن مجرّد التفكير في كفرهم، مع أنّنا جميعًا - نحن والكاتب وشيوخ الكاتب وشيوخنا - متّفقون على الحدّ الأدنى من أنّ الحكّام على أحسن أحوالهم فسّاق ظلمة طاغون يحملون الكفر الأصغر وهو وإن لم يخرجهم من الملّة في الحال إلاّ أنّ المآل خطير، كيف لا والنبيّ صلى الله عليه وسلم يحذّر كما في حديث عائشة الصحيح من صغائر الذنوب ويقول موجّهًا وناصحًا وهاديًا «إيّاكم ومحقرات الذنوب ... » إلى قوله صلى الله عليه وسلم «فإنّ محقّرات الذنوب متى يُؤخذُ بها صاحبُها تُهلِكُه» [حديث صحيح رواه أحمد والطبراني وأخرجه الألباني في صحيح الجامع، رقم2686] . وقوله صلى الله عليه وسلم «إيّاكم ومحقرات الذنوب، فإنّهن يجتمعن على الرجل حتّى يهلكنه ... » [صحيح الجامع، 2687] .
فهذا اجتماع محقّرات الذنوب مهلكه، فكيف باجتماع ملايين الكبائر والشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وظلم العباد الذي لا يعفو الله عنه إلاّ بعفو العباد أنفسهم .. فأين أنتم يرحمكم الله من واقع حكّام المسلمين اليوم، الذين ظلموا الأمّة جميعًا، وهتكوا سترها وأباحوا أرضها لكلّ عدوّ، ثم بعد ذلك نلهث وراء الدفاع عنهم، وكأنّهم الخلفاء الراشدون .. ؟
إنّني لا أرى زلّة لعالم أو طالب علم أعظم من التزلّف للحكّام هؤلاء، فإنّ علماء السلف كان الواحد منهم يأنف أن يقترب من حاكم، مع أنّ حكّام ذلك الزمان كانوا -مع جهالاتهم- على منزلة عظيمة من القيام بمهمّات الملك وحفظ الدين والدنيا وبثّ الكتائب ونشر الإسلام.
ومع ذلك إقرأ حال الثوري إن شئت أو الأعمش أو الفضيل أو أحمد .. إقرأ قصّة هؤلاء مع حكّامٍ مسلمين كانوا يعظّمون العلم وأهله.
ورفض أحمد - مع عدم تحريمه للعطية - أن يأكل طعامهم أو يقبل هداياهم، بل قاطع ولده صالح وعبدالله عندما قبلوا الهدايا ...
تدّعون اتّباع السلف؟ فهذه سيرة السلف لا أظنّها تخفى عليك ولا على أصحابك، فالتزموها، واكتبوا فيها لتبيّنوا للناس كيف حال العلماء وكيف كانوا!! رحمهم الله وألحقنا بهم .. آمين.
5 -وأعجب من ذلك أنّ هذا الرجل يُثني على رجال خالفوا منهج السلف صراحة، ونُقُولُ هذا الرجل صريحةٌ في ذلك، ومع ذلك لم يؤلّف كتابًا يبيّن فيه حقيقة مخالفتهم لمنهج السلف. فهل لهذا التصرّف من تفسير؟! أم أنّ المسألة ليست مسألة الحفاظ على منهج السلف من المعتدين عليه وخاصّة ممّن ينسبون إلى السنّة وأهلها .. إنّما هي المحافظة على ... ؟!
ألم يذكر الكاتب أنّ الكفر الأكبر المخرج من الملّة، سبّ الله سبحانه، وسبّ الرسول صلى الله عليه وسلم وإهانة المصحف، ثمّ هو يثني على رجالٍٍ منهم صديقه علي الحلبي وهو في كتابه ينصّ على عدم كفر هؤلاء، بل يعتبر ذلك ذنبًا وسوء تربية!
ختامًا:
أقول لهذا الكاتب وأمثاله، حنانيك، فإنّ عروش هؤلاء زائلة لا محالة، وعندما ينكشف الغطاء عن عيونكم سترون حقيقة منهج أهل السنّة والجماعة، وسيذهب عنكم السحر وستلحقون بالركب إن شاء الله، ولكن بعد فوات الأوان .. وذهاب الفرصة في الثبات على الحقّ وإن خالفه الخلق، فإنّ الداعية يجب أن يحافظ على إيثار الحقّ على الخلق، ويحفظ نفسه من المداهنة وإن ظنّها جالبة خير مانعة شرّ.
وصدق الله إذ يقول: {أحسِبَ النّاس أن يُتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتَنون ولقد فتنّا الذين من قبلهم ... } .
[عن مجلة نداء الإسلام]
1 -كلام نقله العنبريّ عن الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي في تفسير آيات المائدة.
2 -نقله العنبري قبل ذلك في صفحات بقوله بدل اقترح اخترع، ونقلتها كما هي في أعلى الصفحة.