الصفحة 18 من 33

ومن البين أن الذين سألوا أبا مجلز من الإباضية إنما كانوا يريدون أن يلزموه الحجة في تكفير الأمراء لأنهم في معسكر السلطان، ولأنهم ربما عصوا أو ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عنه، ولذلك قال في الأثر الأول: فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبا، وقال في الخبر الثاني: إنهم يعملون بما يعملون وهم يعلمون أنهم مذنبون.

وإذن، فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعي زماننا من القضاء في الدماء والأموال والأعراض بقانون مخالف لغير شرع الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام، بالإحتكام إلى حكم غير الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.

فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي له.

والذي نحن فيه اليوم، هو هجر لأحكام الله عامة دون استثناء وإيثار أحكام غير حكمه، في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله ... فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكما حكما جعله شريعة ملزمة للقضاء بها.

وأما أن يكون كان في زمان ابي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمر جاحدا لحكم الله أو مؤثرا لأحكام أهل الكفر على أهل الإسلام - وهي حال اليوم من آثر أحكام الكفر على أحكام الإسلام - فذلك لم يكن قط، فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه، فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في بابهما، وصرفها عن معناها، رغبة في نصرة السلطان، أو احتيالا على تسويغ الحكم بما أنزل الله وفرض على عباده، فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله، أن يستتاب، فإن أصر وكابر وجحد حكم الله ورضي بتبديل الأحكام، فحكم الكافر المصر على كفره معروغ لأهل هذا الدين).

انتهى نص أحمد ومحمود شاكر جزاهما الله خيرا عميمًا، والجاهل بقدرهما عليه أن يسأل عنهما، فهما علمين من أعلام الحديث واللغة العربية والتفسير، لا يجاريهما أحد من أهل هذا الزمان، ولا يكاد القرضاوي أن يقرض بعلمه طرف علومهما.

وانظر رحمك الله، فهو يقول باستتابة من يتخذ هذه الآثار لنصرة السلطان ممن يدعي العلم - من أمثال بعض الجماعات الإسلامية في كتاب"دعاة لا قضاة"وأدعياء السلفية الذين يتخذون من تكفير أمثال سيد قطب دينا لهم، إذ استشهدوا بهذه الآثار على الوجه الذي ذكره محمود شاكر - لا باستتابة السلطان، إذ لا محل لإستتابته، وحكمه معروف لمن له عقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت