الصفحة 1 من 2

فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ]

[الكاتب: بكر بن عبد العزيز الأثري]

بسم الله الرحمن الرحيم

"الحمد لله الذي عزته قاهرة ساطية، وقدرته لا قاصرة ولا متباطية، أتلف قوم نوح فما أبقى منهم باقية، وأراح الريح على عادٍ فعادت لهم واطية، وأهلك ثمودًا إذ أصبحت لعقر الناقة متعاطية، ورجم أمة كانت على فاحش الوطء متواطية، وأغرق فرعون فما ردت عنه داره الشاطيه، وخسف بقارون فإذا منازله العالية لاطيه، وهتك ستر بلعام فإذا في باطنه باطية، وبين سبب هلاكهم ففهم الأبله، (وَجَاء فِرعُونُ ومَن قَبلَهُ والمُؤتَفِكاتُ بِالخاطِئة) " [1] ، والصلاة والسلام على خير داعية، وعلى آله وصحبه أهل العقيدة الصافية، والهمم العالية، وعلى أتباعهم من الطائفة المنصورة الظاهرة الباقية، أما بعد:

فإن"فرعون"الطاغية: اسم لم يغب عن أذهان الموحدين في هذا العصر، في كل مصر، قال العلامة ابن منظور رحمه الله:"الفرعنة: الكبر والتجبر ..".اهـ [لسان العرب 7/ 80] .

جازَ الأُلى مَلَكَتْ كَفّاكَ قدْرَهُمُ فعُرّفوا بكَ أنّ الكلبَ فوقَهُم

ساداتُ كل أُناسٍ من نُفوسِهِم وسادةُ المسلمينَ الأعبُدُ القَزَمُ [2]

ولكن هذا الاسم لحكام مصر -أرض الكنانة- ألصق، وبهم أليق، قال الإمام الزمخشري رحمه الله:"فرعون: علم لمن ملك العمالقة، كقيصر: لملك الروم، وكسرى: لملك الفرس. ولعتو الفراعنة اشتقوا: تفرعن فلان، إذا عتا وتجبر".اهـ [الكشاف 1/ 166] .

ولعل المدعو"حسني مبارك"نزعه عرق! بل عروق! كما جاء في الحديث الضعيف عند البيهقي والديلمي وغيرهما: (إن العرق دساس) .

فحكم القوانين الوضعية الوضيعة، كما جاء في المادة (1) من دستور مصر:"جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي".

وجاء في مادة (64) :"سيادة القانون أساس الحكم في الدولة".

وجاء أيضًا في مادة (65) :"تخضع الدولة للقانون".

وجاء أيضًا في مادة (73) :"رئيس الدولة هو رئيس الجمهورية، ويسهر على تأكيد سيادة الشعب وعلى احترام الدستور وسيادة القانون".

وجاء أيضًا في مادة (79) :"يؤدي الرئيس أمام مجلس الشعب قبل أن يباشر مهام منصبه اليمين الآتية: أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهوري، وأن أحترم الدستور والقانون".

قال الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله معلقًا على قول ابن كثير:"ومثل هذا وشر منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله ولا ينفعه أي اسم تسمى به [3] ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام ونحوها".اهـ [انظر كتاب فتح المجيد ص 373] .

ولله در عبد الله بن طاهر لما ولاه المأمون نيابة بلاد الشام وديار مصر لما صار إليها، نظر إليها فاحتقرها وقال: قبح الله فرعون ما كان أخسه وأضعف همته حين ملك هذه القرية قال:"أنا ربكم الأعلى"! [البداية والنهاية/ سنة ثلاثين ومائتين] .

وقبح الله"حسني مبارك"ما كان أخسه وأضعف همته حين ملك هذه القرية قال:"أنا المشرع الأعلى"!

جاء في مادة (86) من دستور مصر:"يتولى مجلس الشعب سلطة التشريع". ثم جاء في مادة: (101) :"يدعو رئيس الجمهورية مجلس الشعب للانعقاد ... ويفض رئيس الجمهورية دورته ..".

وجاء في مادة (109) :"لرئيس الجمهورية ولكل عضو من أعضاء مجلس الشعب حق اقتراح القوانين".

وجاء في مادة (112) :"لرئيس الجمهورية حق إصدار القوانين أو الاعتراض عليها".

وما هذا بأول كفرياته؛ فلقد قام فرعون مصر حسني اللا مبارك بموالاة أعداء الله تعالى، ونصرتهم على أولياء الله تعالى، فسجن ونكل وعذب خيار الخيار، وعلى خطى جده فرعون سار، فالأول قال: (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) [الشعراء: 29] . والثاني قال:"لَئِنِ اتَّخَذْتَ مشرعًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ"!

ولما رأى فرعون الأول أن بعض بني إسرائيل سيكون سببًا في هلاكه، قام بقتل أبنائهم واستحياء نساءهم، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:"أن فرعون لعنه الله كان قد رأى رؤيا هالته؛ رأى نارًا خرجت من بيت المقدس فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال بعد تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم يكون لهم به دولة ورفعة .. فعند ذلك أمر فرعون لعنه الله بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأن تترك البنات".اهـ [تفسير القرآن العظيم 1/ 116] .

على العكس من فرعون الثاني، فلما رأى أن البعض قد يكون سببًا في هلاك بعض بني إسرائيل، قّتل أبناء المسلمين في غزة، ولم يستحي نسائهم، ففرض عليهم الجدار الفولاذي!

قال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله:"إذا أقروا أن هذا دين الله ورسوله، كيف لا يكفر من أنكره، وقتل من أمر به وحبسهم، كيف لا يكفر من أمر بحبسهم؟! كيف لا يكفر من جاء إلى أهل الشرك، يحثهم على لزوم دينهم وتزيينه لهم؟! ويحثهم على قتل الموحدين، وأخذ مالهم، كيف لا يكفر؟!".اهـ [الدرر السنية 10/ 8] .

صارَ الخَصيّ إمامَ الآبقين بها فالحُرّ مستعبَدٌ والعبدُ معبُودُ

نامت نواطيرُ مصرٍ عن ثعَالبِها فقد بَشِمْنَ وما تَفنى العَناقيدُ [4]

وكما أن الله لما أهلك فرعون الأول نجّا بدنه لكي يكون لمن خلفه آية، كما قال تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) [يونس: 92] .

فكذلك لما أسقط الله فرعون الثاني نجّا بدنه ولم يغتال، فهو أحقر من أن يقتل كما يقتل الرجال! ليكون لنفسه ولأقرانه ولمن خلفه آية! (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) [يونس: 92] .

ما يَقبِضُ الموتُ نفسًا من نفوسِهِمُ إلا وفي يدهِ من نتنها عُودُ! [5]

حتى صار حسني أضحوكة، وأخزاه الله بالذلة ونزع الشوكة، مصداقًا لقوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [البقرة: 114] .

وذلك بفضل الله ثم بجهود عوام أهل الإسلام، الذين خرجوا يدًا واحدة، يهتفون:"يا مبارك يا جبان، يا عميل الأمريكان".."أزيحوا مبارك وضعوا خروف، ممكن يحكم بالمعروف!".."لن نخاف لن نطاطي، نحن كرهنا الصوت الواطي".. ولسان حال كل واحدٍ منهم:

إلى أيّ حينٍ أنتَ في زيّ مُحرمِ وحتى متى في شِقوةٍ وإلى كم؟!

وإلا تَمُتْ تحتَ السيوفِ مُكرمًا تمت وتُقاسي الذلّ غير مُكرمِ

فثبْ واثقًا بالله وثبةَ ماجدٍ يرى الموتَ في الهيجا جَنى النّحل في الفَمِ [6]

ولا يُعكر عليهم -بإذن الله- خروج المتردية والنطيحة وما أكل الطاغوت؛ ممن ينادون بتحكيم الديمقراطية والحرية ونحوها من الكفريات .. إذ أن هؤلاء اتفقوا من عامة أهل الإسلام في شقٍ، وخالفوهم في شقٍ؛ وافقوهم في رد الظلم والعدوان من فرعون مصر، وخالفوهم في أن ذلك لا يتم إلا بتحكيم شريعة الله تعالى القائل: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [المائدة: 45] . والقائل: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) [المائدة: 66] .

ولله در الإمام الشعبي رحمه الله حين قال:"نعم الشيء الغَوغاء؛ يسدون السّيل، ويُطفئون الحريق، ويشغبون على ولاة السوء".اهـ [حلية الأولياء 4/ 324، وسير أعلام النبلاء 4/ 312] .

نسأل الله أن يهيئ لأهل مصر وجميع الأمصار؛ رجلًا ينقاد لكتاب الله ويقود به، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين.

وكتب: أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري

1432هـ - 2011م

لهذا اليومِ بعدَ غدٍ أريجُ ونارٌ في العدُوّ لها أجيجُ

تبيتُ بها الحواضنُ آمناتٍ وتَسلمُ في مسالِكها الحَجيجُ [7]

[1] مقدمة للإمام ابن الجوزي رحمه الله في كتابه:"اللآلي".

[2] ديوان أبي الطيب المتنبي ص519.

[3] كـ"حسني مبارك"وهو لا حسني ولا مبارك!

[4] ديوان أبي الطيب المتنبي ص166.

[5] ديوان أبي الطيب المتنبي ص166.

[6] ديوان أبي الطيب المتنبي ص496.

[7] ديوان أبي الطيب المتنبي ص113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت