الصفحة 86 من 96

بسم الله الرحمن الرحيم

ضمن سلسلة أوراق من دفتر سجين

خراب الدولة في جيب سرواله الصغير

{الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}

أكبر قضية فساد في البلاد

لفضيلة الشيخ أبي محمد المقدسي حفظه الله

ورشة شموخ الإسلام التحريضية

رمضان 1434 هـ - 8/ 2013 م

بداية ننوِّه بأننا نبرأ إلى الله من جميع القوانين الوضعية الوضيعة والمخالفة لشرع الله، كما نرفض كافة المحاكم الوضعية عسكرية كانت أم مدنية ما دامت تحكم بغير ما أنزل الله، ونكفر بأحكامها ونبرأ منها ومن قوانينها وقضاتها، ونعتقد أنها من أعظم أسباب انتشار الظلم والفساد في البلاد والعباد، وهذا لا يمنع من أن نتحدث عن محكمة بعينها أو قانون معين كمثال على تهافت وظلم القوانين الوضعية ووضاعتها هي ومحاكمها وأهلها.

يتحدث الناس اليوم عن الإصلاح وتتغنى الحكومات به في ظلال ما يسمى بالربيع العربي، ويتشدقون بمكافحة الفساد وبالحرية والعدالة، وتُلهي الأنظمة شعوبها بهذه المصطلحات، وتسمع جعجعة ولا ترى طحنًا، فلا نرى في الحقيقة شيئًا من هذه الإصلاحات المزعومة على أرض الواقع، وكيف يكون ثَم إصلاح في ظل محاربة دين الله وتعطيل أحكام الله؟ ومن يدَّعي الإصلاح يحكم بغير ما أنزل الله وإذا دعي إلى تحكيم شرع الله أعرض وأبى وامتنع {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} وكيف يرجى الإصلاح من الفاسدين المفسدين؟ أم كيف استواء الظل والعود أعوج!

محكمة أمن الدولة، كما قال لي مدير مركز مكافحة الإرهاب السابق متوعدًا: (في جيب بنطاله الصغيرة، يعطيني الحكم الذي يريده متى شاء) كيف يتم ذلك؟! الموضوع في غاية السهولة عندهم؛ فالمعتقل على ذمة محكمة أمن الدولة يوقف في زنازين سجن المخابرات الانفرادية، يعني تحت تصرف وسلطان المتحدث عن جيبه الصغيرة والتي تتسع لكثير من الظلم والتعذيب والسرقة والاحتيال والنهب والاختلاس. فلا يرى المعتقل محاميًا ولا يزوره بشر ولا يلتقيه أحد سواء من أهله أو منظمات حقوق الإنسان التي يزيِّن بها النظام أجهزته بزيارتها المرتبة بين الآونة والأخرى إلا بعد موافقة المدعي العام الذي لا يملك أن يتصرف بشيء إلا بعد أن يرفع سماعة الهاتف ويقول لصاحب الجيب الصغيرة والبطن الكبيرة: (سيدي) ، ولذلك فإذا كان المعتقل على ذمة محكمة أمن الدولة الواسعة قد تعرَّض للتعذيب ولم تذهب عنه آثاره بعد؛ يُثبَّت على زنزانته ورقة مكتوب عليها: (ممنوع الاتصال بأمر المدعي العام) تلصق تحت طاقة الزنزانة كي يراها مندوب منظمة الصليب الأحمر فلا يقترب منها حتى تزال تلك الورقة، ولا تُزال حتى يتمكَّن طبيبهم السفاح من قطع وشفط وإزالة أيَّة آثار للتعذيب بأسرع وقت ولو بقطع الجلد المدمي وشفط ما تحته من الدماء المحتقنة وخلع ما كان مسودًّا أو متخلخلًا من الأظافر ولو قبل أوان سقوطها بسبب الضرب على القدمين، وهذا هو أهم عمل يقوم به هذا الطبيب ومساعدوه، وجميعهم طبعًا من العسكر، فالمسألة ليست مسألة عناية طبية بل هي مسألة التخلص من أي أثر من آثار التعذيب بأسرع وقت قبل زيارة الصليب؛ فهم يخشون الصليب أشد من خشية الله، ويترقبون زيارته ويهيئون أمورهم لاستقباله ليحصلوا من خلال زياراته على تقارير وشهادات تزوِّر واقعهم وتزخرفه، ولا يحسبون أي حساب للأخلاق والحرمات التي في دين الله. أما ما قد يحتاجه السجين من عناية طبية كسجين مريض فهذا هدف ثانويٌّ وهامشيٌّ عند هذا الطبيب. وأذكر أنه بعد أكثر من سنة من مكوثي في زنازنهم لم تعد نظارة القراءة كسالف عهدها بسبب سوء إضاءة الزنزانة، الشيء الذي أضرَّ ببصري مع كثرة قراءاتي وأمست النظارة تحتاج الى تجديد، فطلبتُ عمل نظارة جديدة فرفضوا ذلك لأنه لا يوجد عندهم في سجن المخابرات عيادة للعيون، إذ أنهم يستغنون عن العيون بشراء العيون وبثهم في البلاد والعباد واستبدالهم بين الوقت والآخر يغني عن الحاجة إلى علاجهم!! ولم يكونوا يرغبون في إخراجي من سجنهم إلى مستشفى للفحص وأخذ قياسات لنظارة جديدة على الأجهزة المختصة لذلك لعمل نظارة بعد ذلك، ومكثتُ قرابة ستة أشهر أطالب بعمل نظارة، وسعتْ لجنة الصليب الأحمر للمطالبة بهذا الحق لي، وبعد طول مطالبات قرروا أن يجدوا مخرجًا من هذا المأزق فاستدعاني دكتورهم وهو برتبة مقدم وسألني: هل تتذكر قياسات نظارتك القديمة؟ فقلت: ولماذا تسأل يا دكتور؟! فقال: نريد أن ننقص درجة أو نزيد درجة لنعمل لك نظارة جديدة لعل القياس يأتي مناسبًا!! فقلت: يا دكتور أنت تريد أن تفصِّل لي كندرة (حذاء) أم نظارة؟ هل أنت دكتور أم كندرجي؟!

فما دام هذا"الكندرجي"لم يتمكن بعد من إزالة آثار التعذيب عن جسد المعتقل فستبقى تلك الورقة ملصقة على باب زنزانته، وما دامت ملصقة فلن يتمكن الصليب الأحمر من رؤية السجين القابع وراءها. طبعًا هذا الإجراء يتخذ في حال كون السجين أردنيًّا ولأهله خبرات سابقة لتكرار اعتقاله ما يجعلهم يبادرون بالاتصال بالصليب الأحمر فور اعتقاله للتبليغ عن اعتقاله، أما إذا لم يفعلوا فلن يتمكن الصليب من السؤال عنه ومن ثم فلا حاجة لمثل تلك الورقة على باب الزنزانة وإن كان ممزقًا من آثار التعذيب لأن الصليب لا يزور إلا السجناء الرسميين وفقًا لكشف رسمي. ولذلك فمن باب أولى أن لا يحتاج لتلك الورقة إذا كان المعتقل أسيرًا شبحًا أي مخطوفًا من أفغانستان أو الباكستان أو اليمن أو جورجيا أو غيرها بواسطة الجيش الأمريكي، فمثل هذا يُخبأ في سجن المخابرات الأردنية كسجين شبح يُخفى عن العالم ولا يعلم به أحد ويحقق معه بالنياية عن ال (CIA) لمدة سنة أو سنتين أو ثلاث بقدر الحاجة ليُرسَل بعد الانتهاء من هذه المهمة بحسب قرار ال (CIA) إما إلى جوانتانامو أو إلى بلده العميل لل (CIA) أيضا لتُغيِّبه في سجونها ويُنسى. فمثل هذا السجين الشبح لا داعي لأن يُكتب شيء على باب زنزانته لأنه أصلًا يُسجن في طابق مخصص غالبًا لأمثاله وأحيانًا يُوضَع معهم في الطابق نفسه آخرون من سجناء البلد (الأردن) ولكن ممن يُخفَون أيضًا عن لجنة الصليب حتى تزول آثار التعذيب عنهم كما جرى معي، وببركات ذلك تواصلت تقريبًا مع أكثر الإخوة المعتقلين لحساب الجيش الأمريكي من شتى البلاد حتى رحلوا، فهذا النوع من السجناء ينقل من زنزانته في صباح اليوم الذي تأتي منظمة الصليب فيه للسجن، وهو يومٌ محدد ومعروف ومتفق عليه مع إداريي السجن، وقد يكون يومين متتالين، فيُطلب في الصباح الباكر من هؤلاء السجناء تجهيز أغراضهم وملابسهم ووضعها في شرشف على هيئة صرة ثم تعصب أعينهم وينقلون إلى أماكن أخرى يجلسون فيها معصوبي الأعين مقيدي الأيدي إلى الخلف ممنوعين من الصلاة والكلام والشراب واستعمال الخلاء إلى الليل حين تنتهي زيارة الصليب الأحمر حيث يعادون إلى زنازنهم، وعندها فقط تُفك العصائب عن العيون والقيود من الأيدي، عندما يدخل كل سجين شبح إلى زنزانته التي كانت مفرغة من كل شيء قبل أن يعاد إليها ثانية حتى لو أن مندوب الصليب مرَّ بها لما ظن أحدًا كان فيها في الصباح، وهكذا في اليوم الآخر حتى تنتهي زيارة الصليب الدورية التي كانت سابقًا كل أسبوعين، ولذلك كان يُخفى عن اللجنة الكثيرون لأن فترة الأسبوعين لا تكفي لإزالة آثار الضرب بشكل نهائي، ثم ارتكبت لجنة الصليب الأحمر حماقةً بمباعدة زياراتهم وجعلها كل ثلاثة أسابيع وهو الشيء الذي أفرح الجلادين وأعطاهم مجالًا أرحب للتعذيب مع تمكين إدارة السجن والطبيب السفاح من إزالة آثار التعذيب، وبذلك يتمكَّن المحققون من انتزاع الاعترافات التي يريدونها من المعتقل بمنتهى الشفافية والديمقراطية، وسيأتي الحديث عن هذه الشفافية والديمقراطية لاحقًا.

وقد فهمتُ من مندوب الصليب الأحمر حين تأخروا عن زيارتي أشهرًا أنهم يعترضون على سياسة منع الاتصال هذه وينتقدونها عند المسؤولين دون جدوى. وقد كنتُ تنبهتُ بتغيب اللجنة عن زيارتي وبتجاوزهم عن زنزانتي عند زيارتهم للسجن حين توضع الورقة على باب زنزانتي أسفل الطاقة، وفي إحدى المرات وقبل أن يقترب مندوب الصليب من زنزانتي ودخل ليزور المعتقل الذي بجوار زنزانتي غافلتُ الحارس أثناء ذهابه وإيابه في الممر ومددت يدي من الطاقة ونزعت هذه الورقة بهدوء، وقرأتُ عليها: (ممنوع الاتصال بأمر المدعي العام) وكانت وقتها قدماي مضمدتين من آثار الضرب وأحد أظافري قد انتزع، هذا غير آثار الكدمات على مختلف أنحاء جسدي، فقمتُ بتمزيق تلك الورقة وألقيتها في المرحاض لعلهم يخطئون ويُدخلون مندوب الصليب عليّ، ففوجئت بالحارس فورًا يتصل بالهاتف وهو مرتبك ويشير إلى زنزانتي وإلى كشف أسماء كان بيده، ليأتي على الفور عسكري معه ورقة مثل التي نزعتها وقاموا بتثبيتها على زنزانتي، ولذلك لم يقم مندوب الصليب بزيارة زنزانتي، بل أُغلقتْ طاقتي بمجرد خروجه من الزنزانة المجاورة وبقيتْ مغلقة حتى تعدَّى زنزانتي إلى زنزانة تليها. وهذه اللعبة تمارسها المخابرات لتجمع بين دعوى أن سجنها مفتوحٌ للمنظمات الإنسانية وبين ممارستها سياستها القمعية في انتزاع ما تريده من اعترافات من المعتقلين. كما قلت؛ هذا يحصل مع المعتقلين المعترف بهم ممن يُبلِّغ أهلوهم الصليبَ ويدرجهم الصليبُ على قوائمه كمعتقلين رسميين ويطالب بزيارتهم، أما المعتقلون الأشباح فلا يعرف الصليب عنهم شيئًا ولا حاجة لكتابة مثل هذه العبارة على زنازينهم واسألوا إن شئتم (شرقاوي علي الحاج) وغيره من المعتقلين حاليًّا في جوانتانامو؛ هل رأى مندوب الصليب الأحمر طوال ثلاث سنوات من اعتقاله في سجن المخابرات الأردنية؟ فقد تحدثنا طويلًا من طاقة الزنزانة عندما كان معتقلًا إلى جوار زنزانتي وأخبرني بأنه اعتقل من قبل الجيش الباكستاني على حدود أفغانستان وسُلِّم للجيش الأمريكي لينقله الأمريكان إلى الأردن للتحقيق معه نيابة عن ال (CIA) وعندما تحدثنا كان قد أمضى سنتين في سجن المخابرات يُخفَى كل أسبوعين عن لجنة الصليب الأحمر ويُعذَّب للإدلاء بمعلومات عن المجاهدين، وعن الشيخ أسامة وأماكن تواجد زوجاته، وتُعرض عليه صور للمجاهدين، وأشخاص كثيرون يُسأل عنهم، وذكر لي أنه عُذِّب كثيرًا في ساحة التعذيب وكان يتولى تعذيبه شخص يدعى أبو سند (غيث غالب الزعبي) ابن وزير العدل!! السابق ويشرف على ذلك شخص ينادونه بالمعلم وهو علي أمين فياض برجاق (صاحب الجيب الصغيرة) ويحقق معه عدد من الأشخاص منهم أبو رعد (نضال خير) ، ومنهم أبو هيثم حابس محمد سمير الحنيني (الحناينة) وأبو صقر خالد سالمة الغويري وأبو سيف وأبو وجدي معتصم مصطفي العرود وآخرون، وكان ذلك اللقاء في اعتقال لي في نهاية عام 2001 م وبداية عام 2002 م حينما كانت الحرب على أفغانستان على أشدها وموضوع السجون السرية التابعة للجيش الأمريكي في أوجه. وها أنا في عام 2013 م أقرأ عن تقرير عولمة التعذيب الذي نشرته منظمة المبادرة لمجتمع منفتح وعادل (Open Society Justice Initiative) والذي يذكر أن 54 دولة على الأقل تعاونت مع أمريكا في تنفيذ عمليات اختطاف واعتقال وتعذيب سرية، ويشير التقرير بالاسم إلى باكستان وأفغانستان ومصر والأردن وغيرها من الدول التي جرى توثيق استخدام التعذيب في سجون سرية فيها لسنوات، وذكَّرني ذلك بتقرير منظمة الهيومن رايتس ووتش حول الأردن ومساعدة المخابرات الأردنية للمخابرات الأمريكية في التحقيق مع معتقلين مختطفين أشباح في سجون سرية في الأردن، وكان على غلاف التقرير صورة لرسالة بخط (شرقاوي) عليها بصمة إبهامه وكتب تحتها قصة اعتقاله لدى الجيش الأمريكي ثم إحضاره إلى الأردن من باكستان وتولي المخابرات الأردنية التحقيق معه نيابة عن ال (CIA) ، بالطبع لم يذكر تقرير الهيومن رايتس ووتش وقتها أنني كنت مصدر هذه الرسالة حفاظًا عليَّ من الأذى، فقد كنت أنا من طلب من شرقاوي كتابتها ووضع بصمته عليها أثناء تواجده في سجن المخابرات الأردنية وقبل أن يرحل إلى جوانتانامو وكان ذلك عام 2002 م وكان وقتها مدير مركز مكافحة الإرهاب هو (علي أمين فياض برجاق) ذاك الذي يربي محكمة أمن الدولة وأحكامها في جيبة بنطاله الصغيرة. وقد طُرد لاحقًا من مركزه هذا بسبب قضية فساد مالي، فالمال أغلى ما يهمهم أما الفساد الأخلاقي واالتعذيب والعبث في عورات المعتقلين والتهديد بهتك أعراضهم وتعريتهم مع إطفاء السجائر في إلياتهم وغير ذلك من أعماله السافلة فلم يحاسبه عليها أحد ولا حاسب أحدًا من جوقته الذين لا زالوا يتربعون إلى هذه اللحظة في مناصبهم وقد ترقوا في رتبهم ودرجاتهم!! هذا الرجل لم يحاسب على وضعه أمن الدولة كلها في جيب سرواله الصغيرة وخدمته بإخلاص لل (CIA) فذلك عمله الرسمي المكلف به، ولذلك فقد ذكر إخواننا المفرج عنهم من معتقل جوانتانامو أنهم شاهدوه هناك هو وصبيُّه المدلل (نضال خير) شاهدوهما هناك يحققان مع المعتقلين من مختلف الجنسيات العربية داخل معتقل جوانتانامو نفسه، كما أبلغني هؤلاء الإخوة سلام الأخ اليماني شرقاوي علي الحاج وإخوانه المعتقلين معه في جوانتانامو والذين كانوا مثله من قبل سجناء أشباح ولم أذكر بعد أسماءهم وجنسياتهم وأماكن اعتقالهم في شتى البلاد والمدد التي أمضوها كمعتقلين أشباح في سجن المخابرات الأردنية قبل أن يرسلوا إلى سجن جوانتانامو، فتفاصيل ذلك لا تتسع لها هذه الأوراق بل يحتاج إلى مؤتمر صحفي موسع يجمع آخرين مثلي قابلوا السجناء الأشباح في سجن المخابرات الأردنية وجاوروهم وتعرفوا عليهم، بالإضافة إلى شهادات إخواننا المعتقلين السابقين المحررين من جوانتانامو، بالإضافة إلى كريستوفر ويكلي وغيره من مسؤولي منظمة هيومن رايتس ووتش، ولا مانع من أن يحضر هذا المؤتمر مدير سجن المخابرات آنذاك (أبو راكان) أو (أبو ماجد) حمدان خريسات ونائبه ومدير السجن لاحقًا محمود حويطات (أبو طلال) وكورس المحققين الذين رباهم علي برجاق ولا زالوا إلى هذه اللحظة يمسكون بزمام أعلى جهاز أمني في البلد ويعبثون ويتحكمون به ويضعون محكمة أمن الدولة في جيوب سراويلهم الصغيرة كما تعلموا من معلمهم برجاق.

إن هذه المقولة ذات مصداقية كبيرة، أعني (قصة الجيب الصغيرة) وذلك لأن من يتعرض للتعذيب بهذه الصورة دون أن تطلع على حاله أي منظمة حقوقية حين تكون آثار التعذيب على جسده ولا يُسمح لأهله أو لأي محامٍ بزيارته أو مقابلته وهو على تلك الحال بل لا يُسمح له ولا لغيره أصلًا حتى وإن لم يتعرض للتعذيب بالزيارة أو مقابلة أي محامٍ ما لم يوافق على ذلك مدير مركز مكافحة الإرهاب صاحب الجيب الصغيرة والبطن الكبيرة.

ولقد مكثتُ بسبب لقاء مع قناة الجزيرة ثلاث سنوات لم يؤذن لي بمقابلة أي محام، وبعد استنكار لجنة الصليب الأحمر لذلك رفض صاحب الجيب الصغيرة المحامي الذي اختاره أهلي وعلل ذلك بأن شكله وشعره (مش عاجبه) وأنه لا يحبه، ولن يُسمح له بالدخول من باب المخابرات الخارجي، وعندما اختار أهلي محاميًا آخر يتبع لمنظمة حقوقية قال لي: إذا كنتُ لم أسمح للأول بالدخول من باب الدائرة فلن أسمح لهذا بالوصول إلى المدينة الطبية (وهو مستشفى على مسافة من دائرة المخابرات) . وهكذا ففي مثل هذه الظروف يعطي المعتقل إفادته التي سيحاكم عليها لدى محكمة أمن الدولة ما دام مصنفًا ضمن ما يعرف بالفكر السلفي الجهادي؛ يعطيها غالبًا في ساحة التعذيب، ويمكن أن يعطيها في مكاتب التحقيق التي تقع فوق ساحة التعذيب بأربعة طوابق بعد خروجه من ساحة التعذيب التي يهبط إليها بالمصعد إلى الطابق (-2) ومن ثم فسيعطي ما يشاؤه المحقق من الاعترافات في الإفادة التحقيقية المعتمدة عند محكمة أمن الدولة العسكرية أو يرجع إلى ساحة التعذيب مرة أخرى.

فهو في هذه الحالة بكامل الحرية في اختيار أحد الأمرين وقد يُعامَل بحسب تهمته بأعلى معايير الديمقراطية فيُبطح أرضًا في مكتب التحقيق بكامل حريته أيضًا مع حفظ كامل كرامته الإنسانية، وذلك بأن يجعل المحقق أثناء التحقيق معه حذاءه بين شفتيه أو على شاربه أو يبطحه على بطنه ويطأ على مؤخرته بحذائه ويحرك إليته يمينًا وشمالًا بقدمه، ويتم أخذ الإفادة بهذه الطريقة الحضارية، بأعلى معايير حفظ الكرامة الإنسانية تحت الأحذية، وسوف يشهد هذا المحقق لاحقًا في محكمة أمن الدولة بعد أن يقسم اليمين على المصحف أنه أخذ إفادة المتهم بمنتهى الطواعية، وربما يضيف بأنه كان يشرب مع المتهم القهوة ساعة إدلائه باعترافاته. وهذه الطريقة يفضلها المحقق مازن الحباشنة (أبو عمر) ، وأحيانًا يطلب هذا المحقق نزع سرواله ليحقق معه بأعلى معايير الشفافية، وأحيانًا يجتمع هو ومساعدوه على المتهم فينزعون سرواله ويعبثون بعورته ويتضاحكون عليها بديمقراطية وحرية، وأحيانًا تُشدُّ رجلا المعتقل إلى عصا غليظة بحبل متين مثبت عليها بعد أن تقيد يداه إلى الخلف بكامل حريته ثم ترفع قدماه إلى الأعلى بوضع الفلكة، ثم يعرض المحقق عليه حزمة من العصي المتنوعة الغليظة ويقول له: اختر العصا التي تريد أن نضربك بها!! فنحن عندنا ديمقراطية!! وهذه الطريقة يفضلها أبو سند (غيث غالب الزعبي) ابن وزير العدل!! السابق واستعملها معي شخصيًّا أبو رعد (نضال خير) وأبو هيثم (حابس محمد سمير الحناينة) وهو يمضغ العلكة، وذلك قبل أن يصبح مديرًا لمركز مكافحة الإرهاب حين كان نائبًا لصاحب الجيب الصغيرة. وربما طلبوا منك أثناء الفلكة أو التعذيب أن تغني بعض أغانيهم الوطنية نحو (هاشمي هاشمي) أو غيرها من الأغاني تعبيرًا عن فرحك بأساليبهم الحضارية وعرفانك لملكهم صاحب العبارة الشهيرة (الإنسان أغلى ما نملك) . في ظل هذه الديمقراطية والشفافية تؤخذ اعترافات المعتقل وإفادته تمامًا كما يشتهيها المحقق دون حضور محامٍ بطبيعة الحال إذ لا حاجة للمعتقل لمحامٍ في ظل مثل هذه الشفافية، ثم يُرسَل المعتقل بعد ذلك بأيام إلى المدعي العام الذي يقع مكتبه داخل أسوار دائرة المخابرات وعلى بعد أقل من دقيقة من ساحة التعذيب، فيساق مقيدًا معصوب العينين بواسطة بعض الجلادين من العساكر الذين كانوا يعينون المحقق على تعذيبه، وعندما ترفع العصابة عن عينيه سيرى إفادته التي انتزعها منه المحقق في ساحة التعذيب أمام المدعي العام على مكتبه يقرأ منها وينقّل كاتبه إفادة مثلها أو ربما سأل بعض الأسئلة رفعًا للعتب، فهو حريص على رفع العتب حتى أنه عندما كنت أريه قدمي المدميتين من آثار التعذيب كان يغضب مني بالطبع وليس ممن فعل بي هذا ويشيح بوجهه عن قدمي ليقسم أنه لم ير ذلك!! فيسأل بعض الأسئلة ليظهر بعض الفروقات اللفظية التي لا قيمة لها بين الإفادتين من تقديم و تأخير غير مؤثر، وإذا كان المعتقل ممن تعرض للتعذيب فلا يعرض عليه المدعي العام توكيل محام، وفي حال طلب المعتقل توكيل محام من تلقاء نفسه فسيحاول المدعي العام أولًا إقناعه بأن المحامي لا فائدة منه، وأن ذلك سيكلفه ماليًّا دون جدوى، فإن أصرَّ المعتقل على طلب توكيل محام فالموضوع سهل للغاية وفي منتهى الشفافية أيضًا عند المدعي العام؛ فإما يعيده إلى زنزانته ليطلبه المحقق في الليل ليهدده ويتوعده ويذكره بالساحة ثم يعاد إلى المدعي العام فإن استجاب وإلا فسيكتب المدعي العام كتابًا يضمه كبيِّنة زائدة ضده في ملف القضية بأنه قد منحه الفرصة لتمكينه من الاتصال لتوكيل محام، فيكتب أمرًا مكتوبًا يُضم لاحقًا بملف القضية بإرساله إلى نظارة محافظة العاصمة ليُمَكَّن من الاتصال بمن يشاء بمنتهى الحرية!! لتوكيل محام مع أن التلفونات كثيرة في مكتب المدعي العام والهواتف في كل مكان في دائرة المخابرات ولكنها الشفافية التي تقتضي إبعاد المدعي العام عن شبهة التدخل في منع الاتصال، فينقل المعتقل بناء على طلب المدعي العام المكتوب إلى زنازن محافظة العاصمة معصوب العينين مقيدًا، وقد تتم هذه العملية في صندوق السيارة وليس على كراسيها إمعانًا في الشفافية، فيُقيَّد المتهم إلى الخلف ويُلقى في صندوق السيارة ويغلق عليه ثم يتعمد الإكثار من الانعطاف واستعمال الفرامل المفاجئة والسرعة المتفاوتة ليُرفِّه عن المعتقل المقيد والمعصوب العينين في صندوق السيارة وهذه الطريقة المسلية للمحققين استعملها معي أبو سند (غيث غالب الزعبي) ابن وزير العدل السابق!! هو ومجموعته (خالد سلامة الغويري) أبو صقر ومحمد عبدالله الحياري أبو عبد الله ومحمد عبد الكريم مصاروة أبو النمر وغيرهم. ثم يبيت المتهم في زنازن العاصمة وقد يبقى بقيوده وعصابة عينيه إلى اليوم التالي دون أن يسمح له بالاتصال بأحد طبعًا ولا حتى استعمال الخلاء، ليُعاد في اليوم التالي بعد أن يضم إلى ملف القضية الكتاب الذي يثبت أنه أمر بتمكينه من الاتصال لتوكيل محام ولا تلتفت المحكمة لاحقًا إلى دعوى المعتقل من أنه لم يُمكَّن من الاتصال أو أنه بقي مقيدًا طوال الوقت، فذلك كله خارج اختصاص المدعي العام ولا يتحمل مسؤوليته من قريب أو بعيد. أما إذا كانت قضية المعتقل سهلة ولم يتعرض لأي تعذيب فإن المدعي العام يتعمد أن يعرض عليه الاتصال وتوكيل محام من عنده ومن تلفون مكتبه، وهذا هو سر دعوى بعض المحامين من تمكنهم من مقابلة بعض موكليهم عند المدعي العام في بعض قضايا أمن الدولة، وهذا هو المعيار.

وهكذا وضمن هذه السيناريوهات يحال المعتقلون إلى محكمة أمن الدولة وتتم وفقًا لهذه الاعترافات وبهذه الكيفية مسرحيات المحاكمة بعد ذلك، فتخرج الأحكام من جيب سروال مدير مركز مكافحة الإرهاب الصغيرة وتبعًا لهواه واختياراته، فكيف إذا أضيف إلى هذه المسرحية قوانين وتشريعات ظالمة جائرة تكمم الأفواه وتحاسب على النوايا والأفكار والأحلام كما في سائر قوانين أمن الدولة وقضاياها؟

وهذا المقال لا يتسع لمناقشة قوانين أمن الدولة كلها بطبيعة الحال ولا حتى بعضها لذلك أكتفي بضرب مثل واحد منها وهو المادة (118\ 2) من قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته وهو (القيام بأعمال لم تجزها الحكومة من شأنها تعريض المملكة لخطر أعمال عدائية وتعكير صلاتها بدولة أجنبية) هذه المادة حكمت وفقا لها بالسجن خمس سنوات بعد أن مررت بمراحل تعديلها وترقيعها، بل قد جرى تعديلها وترقيعها من أجلي قبل محاكمتي بقليل بحسب ما قاله المدعي العام (فواز العتوم) لجار له في السكنى في مدينة جرش حين اعتقل معي بدعوى أنني كنت أنسق لأجل سفره إلى أفغانستان، وهذا بحسب قرار محكمة أمن الدولة يعكر العلاقات مع دولة وحكومة صديقة هي حكومة (كرزاي) التي هي من أفسد أنظمة الحكم في العالم بحسب التصنيفات الدولية والدراسات الحقوقية، فقد كنت أوقفتُ أنا وهذا الأخ على هذه التهمة قبل ذلك ثم أُفرج عنا دون أن نحال إلى المحكمة وعلل المدعي العام المذكور ذلك لجاره بأن القانون الذي يعاقب على تعكير العلاقات غير متقن وفيه ثغرات ويحتاج إلى تعديل، فكلما حكمت محكمة أمن الدولة بهذا القانون مجموعة فسخت محكمة التمييز حكمها بحجة أن أعمال المتهمين لم تتسبب فعليًّا بتعكير العلاقات ولا جرت بسببها أعمال عدائية أو انتقامية حقيقية على الدولة ومن ثم كان الحكم الذي تصدره محكمة أمن الدولة يتم فسخه من محكمة التمييز. ثم بعد أشهر حصلت عملية خوست في أفغانستان والتي حصد بها البطل أبو دجانة الخراساني (همام البلوي) رؤوس عدد من ال (CIA) وتلقت المخابرات الأردنية فيها صفعة شديدة حين تبيَّن أن بين هذه الرؤوس رأس ضابط مخابرات أردني كان يظن أنه تمكن من تجنيد أبي دجانة لصالح ال (CIA) بينما الحقيقة أن أبا دجانة كان قد جنَّد نفسه ونذرها لدين الله وفاجأهم بحصد تلك الرؤوس، على إثر هذه العملية وإهداء أبي دجانة سلامه لي في أحد أشرطته التي بُثت على إثر العملية استُدعيت من بيتي المحاصر بسيارات المخابرات على مدى 24 ساعة منذ أسابيع، استدعاني مدير مركز مكافحة الإرهاب الجديد المدعو (أبو هيثم) واسمه

(حابس محمد سمير الحناينة) فأصر على أن أبا دجانة بالفعل كان عميلًا لهم ولكنه كما قال هذا الحابس بالحرف الواحد: (استيقظ ضميره في لحظة ما وأراد أن يكفّر عن ذنبه) !! إذن فهم مستيقنون من أن وظيفتهم من الذنوب التي لا يمارسها إلا صاحب ضمير ميت!! أراد أبو هيثم أن يعيد الاعتبار لدائرة المخابرات بعد أن تلقت تلك الصفعة على حسابي الخاص وفوجئت عندما استدعيت إلى دائرة المخابرات أني أُدخلتُ قاعة قد جهزت فيه كاميرا تلفزيونية مربوطة بجهاز تلفزيون وجهاز آخر لا أعرفه، وبمجرد أن أجلسوني على الكرسي مقابل الكاميرا ظهرت صورتي في التلفزيون ونصبوا خلف الكاميرا سبورة كُتب عليها بخط كبير وواضح نقاطًا أتذكر منها ما يلي:

-أبو دجانة الخرساني (همام البلوي) خان الأردن وقام بعمل إرهابي.

-الأجهزة الأمنية ورجال المخابرات إخواننا ولا يجوز تكفيرهم أو استهدافهم.

-لا أؤيد الأعمال المادية والجهادية، أحذر الشباب من الفكر (التكفيري) ، طبعًا يقصدون تكفيرهم هم.

ونقاط أخرى لا تعدو كونها شرحًا وتكرارًا للنقاط السابقة، وقال لي أبو هيثم: تفضل تكلم حول هذه الأمور!! فقلت: أنا من سيتكلم بهذا؟ فقال: نعم، لن تخرج اليوم من دائرة المخابرات حتى تتكلم بهذا، فقلت: أنا لا يمكن أن أتكلم بمثل هذا، وإن شئتم اطلبوا من الحلبي وأمثاله يتكلم بهذا وزيادة. فقال بتحدٍّ: بل ستتكلم أنت. فنهضت عن المقعد، وكان بيدي قارورة ماء صغيرة فضربتها بغضب بالأرض وصحت: إذن إلى الزنزانة، فلن أتكلم بهذا أبدًا.

(السجن أحب إليّ مما تدعونني إليه) فرأيت أحدهم يغمز له ويهمس، فغيَّر لهجة التحدي بلهجة من يريد مصلحتي قائلًا: يا غبي سأعطيك عشرة آلاف دينار على تصوير هذه الخمس دقائق، وأنت لا تعرف مصلحتك فهذا التصوير سينفعك في المستقبل في أي مشكلة ستتعرض لها، فقلت: أنا لا أريد فلوسكم ولا أرغب بهذه المصلحة.

ثم أخذوني إلى مكتبه وفي هذه اللحظة شعرت بآلام شديدة في بطني وظهر الألم على وجهي وبدأت أتصبب عرقًا، وفي مكتبه أخذ يكلمني بين الترغيب والترهيب، فيما كان بطني يتقطع من الألم، وتنبه لذلك، فقال لي: اذهب الآن إلى بيتك واسترح وسنطلبك غدًا لنبدأ التصوير، فقلت: لا تطلبوني ولا تتعبوا أنفسكم فلن أفعل ذلك. ورجعت إلى بيتي وبتُّ طريح الفراش وعادني طبيب صديق ذكر لي أنني أصبت بسبب ضغوطهم بقولون عصبي ووصف لي أدوية لذلك. وفي اليوم التالي اتصلوا بي واستدعوني فقلت لهم: أنا مريض ولا أستطيع الحضور، هذا وسياراتهم تحاصر منزلي من كل الجهات. ثم بعد فترة وجيزة أعيد اعتقالي أنا وصديقي جار المدعي العام وآخرين، وحين حُوِّلنا إلى السجن بعد أن وجهوا لنا تلك التهمة وفقًا للمادة (118\ 2) التي تتضمن تعكير العلاقات مع دول صديقة، وزاد تُهمتين تكرارًا لنفس التهمة لكن بلفظ آخر. سألت صاحبي: ألم يقل لك المدعي العام أنهم لن يحاكمونا على هذه التهمة لأن القانون يحتاج الى تعديل؟ فقال: نعم، ولقد سألته هذه المرة: لماذا أعدتم اعتقالنا على التهمة نفسها التي ذكرت أنكم لن تحاكمونا عليها؟ فقال: لقد عدلنا القانون خصيصًا لأجل صاحبك.

وبالفعل فقد تم ترقيع القانون ليصبح صالحًا للمحاسبة على النوايا والأفكار بل والكتابة والخطابة والمقابلات الإعلامية واللقاءات الصحفية حتى ولو لم يتحقق التعكير أو الأعمال العدائية، ووفقًا لهذا القانون تمَّت محاكمتي لدي محكمة أمن الدولة وحكمت بحبسي خمس سنوات بدعوى إرسال أشخاص إلى أفغانستان، الذي يمكن أن يتسبب بتعكير العلاقات مع نظام كرازاي العميل، وحكمت كذلك بتهمة تجنيد عناصر للالتحاق بمنظمات إرهابية أيضًا خمس سنوات مع أن فحوى هذه التهمة والعمل الذي تحاسب عليه هو عين العمل في التهمة الأولى ولكن تزيد بينات التهمة الأولى وأسبابها الموجبة للحكم، كما جاء في قرار محكمة أمن الدولة (كتاب ملة إبراهيم) المكتوب قبل ثلاثين سنة حيث قررت المحكمة أنه يسيء إلى النظام السعودي بل وزعمت أنه يسيء إلى الشعب والمجتمع السعودي أيضًا، وهم لم يعتمدوا في ذلك على نسخة من الكتاب فذلك غير موجود فيه كما يعرف كل من قرأ الكتاب وإنما قبلوا وسلَّموا بدعوى المدعي العام المجردة من الدليل، ومعلوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت