الصفحة 12 من 96

أه يا عُمير .. لا بد وأنك تذكرت أعيادًا مضت .. كنت فيها معكم وبينكم ..

فأين قولك لأمك الذي نقلته لي في بداية المحنة، ردًا على من انتقد نهجي: (أنا أحب أن أكون مثل أبي .. وعندما اكبر سأفعل مثل أبي .. وسأجاهد الطواغيت .. )

فما بالك اليوم .. ؟ هل استطولت الليالي والأيام .. ؟

فإنها يا صغيري أول الطريق .. ! أم أن كاهليك الصغيرين قد استثقلا المحنة .. ؟

أم تراك استبطأت النصر والفرج .. ؟ واستوعرت الطريق؟

لا زلت أتخيل بريق عينك، وأنت تحملق في أعداء الله في إحدى مداهمتهم للبيت بعد منتصف الليل، حين أفقت من تلك الليلة الشاتية من فراشك فزعًا على أصواتهم القبيحة، وقد انتشروا في أنحاء البيت يبعثرون كل شيء، ويفتشون كل زاوية .. وسألك علج منهم بصوت أجش: (أين ابوك .. ) ؟

فأجبته دون تردد، وانت لا زلت قاعدًا في فراشك تفرك عينك: (لا أعرف .. ) ! ..

وكنت ليلتها تعرف جيدًا أين أبوك ..

ولا زلت يا أبا حفص .. أذكر نظراتك - لم انسها - وأنت تحدق بهم في آخر ليلة فارقتكم فيها، ليلة اعتقالي قبل أربع سنين، وقد وضعوا القيد في يدي وأحاطوا بي من كل جانب يدفعوني ويتناولوني بهراواتهم وأعقاب بنادقهم، فألحظك في ظلام الليل على الشرفة تنظر إلي وأنا أنادي: (لا تخشوهم .. لا تخافوا منهم .. هؤلاء حشرات .. إنهم ذباب) وأتذكر جيدًا كيف رسخ ذلك في ذهنك وانطبع في ذاكرتك فحين رأيتني بعد ستة شهور، يوم نقلت من زنازنهم إلى السجن وذكرتك بتلك الليلة، قلت على فور: (نعم اتذكرها جيدًا يا أبي .. كنت تقول: لا تخافوا منهم إنهم حشرات إنهم ذباب)

ولا غرابة ان ترسخ في ذهنك الصغير هذه الكلمات بالتحديد، من بين كثير من اللغط الذي ملأ تلك الليلة الليلاء ..

وذكرتك يومها ببيت لابن القيم سطرته لك في بعض رسائلي في الزنزانة:

لا تخش كثرتهم فهم همج الورى ... وذبابه أتخاف من ذبان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت