وليس معنى التوسع في عقد الأمان الذي يذكره الفقهاء أن ما فسد منه يحقن منه دم الكافر مطلقا، وإنما معناه أن يُتساهل في بعض الحالات مع الكافر إذا اخطأ فظن أن المسلمين أمّنوه وكان الواقع بخلاف ذلك، أو قال له المسلم: تعال أقتلك فظنه قصد تأمينه لجهله بلسانه فإنه يبلّغ مأمنه في هذه الحالة وشبهها.
قال في مطالب أولي النهي في شرح غاية المنتهي: (ج 7 ص 555) :
(ويجب رد مُعْتَقِد غير الأمان أمانا إلى مأمنه أي: الموضع الذي صدر فيه ما اعتقده أمانا نصا لئلا يكون غدرا له)
وذكر صاحب أسني المطالب (ج 21 ص 78) مثالا للتوسع في الأمان فقال: (وبالتعليق بالغرر كقوله: إن جاء زيد فقد أمنتك لبناء الباب على التوسعة)
قلت: وهذا التوسع راجع في أغلبه إلى صورة واحدة هي:"اعتقاد غير الأمان أمانا"أو ما شابهها، لأنه لا تفريط ولا اعتداء من الكافر المؤمَّن في هذه الحالة، وأما من كان فساد أمانه من الكفار بسبب تفريط منه أو اعتداء فإنه لا يبلّغ مأمنه، فكل من لاحق له في الأمان لا حق له في تبليغ المأمن، فليس من الفقه التسوية بين من فسد أمانه للضرر ومن فسد أمانه للخطأ أو الغرر.
وليس هذا هو معنى التوسع في الأمان الذي ذكر العلماء ومن زعم ذلك فإنه لم يفهم قصدهم.
بل إن الأمان من أيسر العقود انتقاضا كما قال السبكي: (وعقد الأمان أضعف من عقد الذمة يُنتقض بما لا يُنتقض به عقد الذمة)
فتاوى السبكي (ج 4 ص 254)
وذكر النووي مثالا لذلك فقال: (فإن استعان أهل البغي بمن بيننا وبينهم هدنة فأعانوهم انتقض أمانهم إلا إذا ادعوا أنهم أكرهوا على ذلك، وأقاموا على ذلك بينة، والفرق بينهم وبين أهل الذمة أن أهل الذمة أقوي حكما ولهذا لا تنتقض الذمة لخوف جنايتهم والهدنة تنتقض لخوف جنايتهم فلأن تنتقض بنفس الإعانة أولي) المجموع ج 19 ص 212)