-الوقفة الثالثة: سيظُن الكثيرون أن تجريد القضية بهذه الكيفية وذلك الوضوح سيجعلنا ندفع ضريبةً باهظة ويُهيج الأمم للتكالب علينا، و يؤجج المنظمات ضدنا ويسد كل الأبواب أمامنا ومالنا بذلك من طاقة، ولكننا نقول:
يا معاشر العقلاء والنبلاء، هل هناك ضريبةٌ أثقل وأعظم مما دفعه ويدفعه المسلمون في فلسطين؟ وماذا بقيَ مما يمكن أن يُحتفظ به أو يُخاف عليه؟ فسيول الدماء لا تتوقف، وأكوام الأشلاء مُتراكمة، وسجون اليهود مُكتظةٌ متزاحمة، وتخريب الديار واقتلاع الأشجار وجرف الأراضي مستمر، والحصار مُطبق وقاتل وما ينفذ من خلاله فبالمنِّ والأذى! فما الحال في فلسطين إلا كما قال الشاعر:
أنا الغَريقُ فَمَا خَوفِي مِن البَلَل ِ
ثم علينا أن لا ننسى ونحن في غمرة مسيرتنا الجهادية أننا نتعامل مع الله القوي العزيز وليّ المؤمنين نعمَ المولى ونعمَ النصير، وقد وعد سبحانه وتعالى، ومن أوفى بعهده من الله؟ بأن ينصر عباده المؤمنين إن هم نصروه وهو الذي لا يُعجزه هؤلاء الكفرة بحدِّهم وحديدهم وعدَّتهم وعتادهم وجيوشهم ودولهم، فلو شاءَ لأهلكم أجمعين.
{أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ} ، وقال سبحانه: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} .
فباب النصر على الأعداء والتخلص من قهرهم وتسلطهم إنما هو باللجوء إلى الله والاستمساك بشرعه والثبات على هديه، لننال بذلك شرف دفاعه عنها ومعيته لنا، قال الله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} .
فإذا التفتنا إلى غيره وتعلقت قلوبنا بمن سواه تخلى عنا ووكلنا إلى أنفسنا وإلى ما ارتضيناه نصيرًا لنا والله يقول: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} ، وقال سبحانه وتعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} .
فحذاري حذاري من أن يخذلنا ربنا ولئن كان فذلك هو الخسران المبين، ولنُرَّسِخ في قلوبنا ونضع أمام أعيننا قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن