وهناك أدلة كثيرة تدل على عدم اشتراط الإمام للحدود منها: ما صح من حديث عبد الله بن العباس رضي الله عنهما: (أن أعمى كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت له أم ولد وكان له منها إبنان وكانت تكثر الوقيعة برسول الله صلى الله عليه وسلم وتسبه فيزجرها فلا تنزجر وينهاها فلا تنتهي فلما كان ذات ليلة ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم فوقعت فيه فلم أصبر أن قمت إلى المغول فوضعته في بطنها فاتكأت عليه فقتلتها فأصبحت قتيلا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فجمع الناس وقال أنشد الله رجلا لي عليه حق فعل ما فعل إلا قام فأقبل الأعمى يتدلدل فقال يا رسول الله أنا صاحبها كانت أم ولدي وكانت بي لطيفة رفيقة ولي منها إبنان مثل اللؤلؤتين ولكنها كانت تكثر الوقيعة فيك وتشتمك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر فلما كانت البارحة ذكرتك فوقعت فيك فقمت إلى المغول فوضعته في بطنها فاتكأت عليها حتى قتلتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا اشهدوا أن دمها هدر) وهو حديث صحيح.
[رواه أبو داود (4361) والنسائي (4081) وغيرهما] هذا الصحابي رضي الله عنه قتل السابة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مدينة النبي عليه الصّلاة والسّلام وعَلِمه ولم يعنفه بل أهدر دمها وفيه دلالة واضحة على أن إقامة الحدود ليس من خصوصيات الإمام ولا من شرطها أن تنفذ بيد الإمام أو نائبه ووجه الاستدلال منه أن النبي سكت عن الرجل ولم يقل له ولا لغيره هذا من خصوصيات الإمام و"تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز"كما هو معروف لدا الجميع والصحابة رضي الله عنهم من بعده صلى الله عليه وسلم سلكوا مسلك أن لا خصوصية للإمام في إقامة الحدود.
وصح عن الجندب الصحابي الجليل أنه قتل ساحرًا بدون إذن الأمير بين يديه ولم نر أحدًا من الصحابة ولا من التابعين الكبار عنفه عن أبى الاسود: (أن الوليد ابن عقبة كان بالعراق يلعب بين يديه ساحر وكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيقوم خارجا فيرتد إليه رأسه فقال الناس سبحان الله يحيى الموتى ورآه رجل من صالح المهاجرين فنظر إليه فلما كان من الغد اشتمل على سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه فقال:"ان كان صادقا فليحى نفسه) وأمر به الوليدُ دينارا صاحب السجن - وكان رجلا صالحا - فسجنه فأعجبه نحو الرجل فقال أفتستطيع ان تهرب قال نعم قال فاخرج لا يسألني الله عنك ابدا).وله طرق أخرى عن أبي عثمان النهدي: (أن ساحرا كان يلعب عند الوليد بن عقبة، فكان يأخذ سيفه فيذبح نفسه، ولايضره، فقام جندب إلى السيف فأخذه فضرب عنقه، ثم قرأ: {أفتأتون السحرو أنتم تبصرون} ) وعن الحسن: (أن أميرا من أمراء الكوفة دعا ساحرا يلعب بين يدي الناس فبلغ جندب، فأقبل بسيفه، و اشتمل عليه، فلما رآه ضربه بسيفه، فتفرق الناس عنه، فقال: أيها الناس لن تراعوا، إنما أردت الساحر فأخذه"