كما قال الله عز وجل: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} .
فهذا يقول: لا تنفروا في الحر!
والآخر يصيح: ائذن لي ولا تفتني!
وغيره يحتج: لو نعلم قتالًا لاتبعناكم!
وآخرون يقولون: إن بيوتنا عورة!
وهم يسرون ويتمتمون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا!
فإذا تعيَّن القتال وأصبح سبيله لا مناص منه وخوضه لا محيد عنه تلاشت أعذارهم واستسلموا لحقيقتهم الكامنة في قلوبهم وارتسمت علامات النفاق والشقاق على صفحات وجوهم كما أخبرنا الله عن حالهم وقال: {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} ولهذا قال قتادة رحمه الله: (كل سورة ذُكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد القرآن على المنافقين) ، وقال الله تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَاتُونَ الْبَاسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَائِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} ، فهذا الصنف من الناس وما أكثره في هذا العصر لا يرجى خيره لدينٍ ولا لدنيا إلا من تاب وأناب ورجع صادقًا مخلصًا لله لا للخديعة، ولولاه لكان المسلمون ينعمون بدولةٍ للإسلام ممكنة منذ أمدٍ بعيد.
هؤلاء المعوقون المذبذبون المبطئون هم من أعظم محن الأمة الذين لا يرجون لله وقارًا، همهم في مناظرهم ومناصبهم وذهابهم وإيابهم واستقبالهم وتوديعهم! فهل يرجو ذو عقلٍ لبيب من هؤلاء أن يقيموا لله دينًا تحكم فيه شريعته ويعز فيه أولياؤه ويذل فيه أعداؤه وهم أول من والاهم وانسل من دينه وعقيدته ارضاءً لهم وتطمينًا لقلوبهم وتسكينًا لنفوسهم كما قال الله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ، فهذا الصنف المخذول من الناس يجب أن يُتخذ معه قرار حاسم حازم لا تذبذب فيه ولا تردد يقطع دابر مؤامراتهم و يكف عن الأمة والمجاهدين شرهم وتلاعبهم، ذلك المبدأ الذي بينه القرآن أتم البيان في محنة من المحن المشابهة مع أمثال هؤلاء كما قال الله عز وجل: {فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَاذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ} ، هذا الصنف الذي كشفت ولا زالت تكشف الأحداث وساحات الجهاد وما ينتابها من المحن