بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
وبعد ..
أمة الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
فكل شيءٍ يمكن للمرء أن يتلاعب به وأن يُظهر معه حنكته ودهاءه وخداعه، إلا دين الله عز وجل، فما أن يسلك المرء معه هذا المسلك، ويدخل هذا النفق حتى يكتشف ومن حيث لا يحتسب أنه قد جنى على نفسه وأوبقها بيده {وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} ، وقد مرَدَ أهل النفاق على هذا الأسلوب قديمًا وحديثًا، أولئك الذين وصفهم الله بقوله: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} ، فهؤلاء بمناظرهم الحسنة وأجسامهم المعتدلة وألبستهم الأنيقة ومنطقهم الفصيح وبلاغتهم الباهرة أصحاب عقول تائهة وقلوبٍ خاوية تمكَّن فيها الجبن وعشش داخلها الخور واستمكن منها الحذر، قلَّ خيرهم وتطاير شرهم، ومع ذلك كله لم يزالوا مفتونين بذكائهم، متلاعبين بدينهم، متكلين على كياستهم، غافلين عن مراقبة ربهم لهم، قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} ، فما كادوا كيدًا إلا حاق بهم وما مكروا مكرًا إلا ورجعَ عليهم وما بيَّتوا شرًا إلا وخابَ سعيهم، ذلك أن الله سبحانه مطلعٌ على سرائرهم وضمائرهم وعليمٌ بسرهم وعلانيتهم، فهم يخوضون حربًا مع الله ولكن لا يشعرون، قال الله تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} ، ومع ذلك قلّ ما يرعوون عن مخادعاتهم أو يكفون عن تماديهم في غيهم وهذا من تمام خذلان الله لهم وهم لا يعلمون، فتراهم يبرمون أمرًا وينقضونه، ويمدحونه اليوم ويلعنونه غدًا، ويقاتلون من أجله بالأمس ويقاتلونه اليوم، وما ذلك إلا لأن أعمالهم كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، ولقد قضى الله عز وجل بأن تكون عبادة الجهاد أكبر عدو لهؤلاء وأعظم ممحصٍ لهم وفاضحٍ لمخازيهم ومراوغاتهم، ومن هنا كان عباد الله المجاهدين أشدَّ الناس عداوة لهم تبعًا لذلك، فهذه العبادة الجليلة هي التي تكشفُ سرهم وتفضح أمرهم وتبين حقيقتهم، ولا يمكنهم بحالٍ أن يسايروها بتلاعبهم إلى نهاية الطريق، فتراهم يتفننون في اختلاق الأعذار للتنصل منها والتخلي عنها والبراءة من أهلها في الوقت الذي يحاولون جهدهم أن يسترضوهم ويقنعوهم بأنهم منهم وعلى طريقهم