الصفحة 21 من 22

بالنسبة للشيخ المجاهد والكاتب الفاضل أستاذنا الكبير سيد قطب رحمه الله تعالى؛ فإن من عجائب هذا الزمان الذي لا تنقضي عجائبه أن يسأل عن سيد أمثالي ويتكلم فيه جرحا أو تعديلا، وهو الذي فارق هذه الدار مستعليا على زخرفها وحطامها وفتاتها الذي تهالك عليه وأخلد إليه أكثر الخلق، ويبذله الطواغيت لأهلها المنقادين الخاضعين لهم، وأبى هو رحمه الله أن يخط ببنانه الذي سطر به ظلال القرآن والتوحيد؛ كلمات تعتق رقبته من الموت، يلبس بها الحق بالباطل أو يقر بها حكم الطاغوت.

في الوقت الذي يسود فيه كثير من أهل زمانها وجوههم وصحائفهم، ومنهم كثير من أولئك الطاعنين الذين أطالوا ألسنتهم فيه؛ ما هو أحط من تلك الكلمات التي ترفع عنها رحمه الله، ويطوعون دينهم ليل نهار للطواغيت ويبيعونه بثمن بخس دون أن يكرهوا أو يهددوا بالموت والإعدام، بل يسارعون في ذلك كأنهم إلى نصب يوفضون، فينحرون على عتباتهم التوحيد، ويبذلون لهم دينهم قربانا وكبش فداء لحطام دنياهم الفاني.

ووالله لولا أن القول بالحق والنصح لكتاب الله وسنة رسوله فرض وواجب من الواجبات، لما كتبت في سيد كلمة، فالرجال أمثاله في زماننا قليل، وكل من سار في هذا الدرب فلسيد عليه فضل - شاء أم أبى، اعترف أم جحد - ولا يضر سيدا بعد هذا مدح من مدحه أو سب من سبه، ففيه وفي أمثاله يصدق قول القائل؛

كم سيد متفضل قد سبه من لا يساوي غرزة في نعله

فالبحر تعلوا فوقه جيف الفلا ... والدر مدفون بأسفل قعره

ومع ما تقدم كله؛ فسيد بشر كسائر البشر يصيب و يخطيء وله في كتاباته عثرات معروفة، واضح لمن تتبع كتاباته وميز القديم منها من الجديد، أنه تدارك أشياء منها، وكان يتعاهدها بالتصحيح والتهذيب، والواجب على المخلصين المقربين له - وعلى رأسهم الأستاذ محمد قطب - أن يكملوا ذلك له وأن لا يصرّوا على إبقائها كما هي، فتبقى ثغرة وحجة يتخذها كل نطيحة وموقوذة ومتردية وما أكل السبع والسلطان؛ ذريعة للطعن في سيد وتبديعه وتقويله ما قد بريء منه، أو هو بالأصل منه براء، ولكن زل قلم الأديب فقال ما لا يقصد صاحبه معناه المتوهم منه.

ومن أمثلة ذلك ما ينسب إليه من القول بوحدة الوجود؛ فإن سيد يفرّق ضرورة وحتما في كل ما يكتب بين الخالق والمخلوق، بل ويعظم الخالق ويوحده ويكفر كل من ادعى لنفسه أو لغيره خصيصة من خصائص الألوهية، فضلا عمن يجعل الوجود كله هو الواحد الأحد، ومن يزعم خلاف هذا فيه فإنه لا يعرفه ولا يعرف كتبه، وما سطره في بعض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت