جاز رمي أولئك المسلمين أيضا في أحد قولي العلماء، ومن قتل لأجل الجهاد الذي أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم هو في الباطن مظلوم ـ كان شهيدا وبعث على نيته ولم يكن قتله أعظم فسادا من قتل من يقتل من المؤمنين المجاهدين، وإذا كان الجهاد واجبا وان قتل من المسلمين ما شاء الله، فقتل من يقتل في صفهم من المسلمين لحاجة الجهاد ليس أعظم من هذا) مجموع الفتاوى 28/ 538.
وقد تبين فيما ذكره هذا الإمام أن الجهاد مبني أصلا على تعمد وقوع القتل القليل لتحصيل المصالح العظيمة، سواء وقوعه في الكفار ليسلم باقيهم ويدفع خطر الكفر على البشرية، ووقوعه في المسلمين جراء تعرضهم للحرب لتحصيل ظهور دين المسلمين على الدين كله 0
ولهذا قال من قال من العلماء، أن الكفار لو جعلوا المسلمين دروعا بشرية كما تسمى هذه الأيام، وخيف وقوع مفسدة عظيمة كخوفنا على باقي المسلمين من صولة الكفار على بلاد الإسلام، فيما لو ترك قتال الكفار المتخذين لهذه الدروع البشرية، فانه يجوز رميهم ولو تيقنا أننا سنصيب بعض المسلمين، وأنهم لو قتلوا فهم شهداء في سبيل تحصيل مصلحة أعظم، وكذلك قد قال بعض العلماء حتى لو لم نخف على المسلمين من صولة وشيكة للكفار على المسلمين، فانه يجوز رمي الكفار المتترسين بالمسلمين ونقصد الكفار لتحصيل مصالح الجهاد ولئلا يفضي هذا الفعل من الكفار وهو التترس بالمسلمين إلى حمل المسلمين على ترك الجهاد 0
وإذا كان الجهاد مبني على هذا الأصل، فقد علم أن قتل المجاهد نفسه بقصد تحصيل مصالح عظيمة، كإنقاذ المسلمين بتعجيل النصر على عدوهم مثلا ــ لا بقصد الانتحار يأسا من الحياة ومن روح الله تعالى ـ فانه قد فعل ما هو مطابق تماما للأصل الذي بني عليه الجهاد فكيف يكون فعله حراما0
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا مبينا أن قتل النفس إذا لم يكن يأسا من الحياة، وإنما لتحصيل مصلحة شرعية، أنه مشروع بل هو من أفضل القرب لأنه من بذل النفس لله تعالى، قال رحمه الله تعالى (وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود، وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وان غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين) 28/ 540