بالبراءة هنا براءة الذمة من عقله كاملا [1] ، كما قد فسر في الحديث نفسه، ومن ذلك أيضا قصور حقه في النصرة لتقصيره في الهجرة، فهذه قرائن صارفة للبراءة المكفرة، إلى براءة من نوع ثان فسرتها السنة وذكرها الله تعالى في قوله: (( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير ) ).
اللهم إلا أن يضم إلى إقامته في دار الكفر وتقصيره بالهجرة الواجبة إلى دار الإسلام؛ مظاهرته للمشركين ومحاربته للمسلمين، فحينئذ تكون البراءة منه براءة كلية مكفرة ..
قال ابن حزم بعد أن ذكر الحديث أعلاه: (وهو عليه السلام لا يبرأ إلا من كافر. قال تبارك وتعالى(( المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) )، ثم قال؛ (فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختارا محاربا لمن يليه من المسلمين فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها من وجوب القتل عليه متى قدرعليه، ومن اباحة ماله، وانفساخ نكاحه وغير ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبرأ من مسلم، وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه، ولم يحارب المسلمين، ولا أعان عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره فهذا لا شيء عليه لأنه مضطر مكره) . أهـ المحلى (13/ 138 - 139)
وهو صريح في أن اللحوق بدار الكفر إنما يكون كفرا، إذا ما انضاف إليه محاربة المسلمين وإعانة الكفار ومظاهرتهم عليهم، فهو يتنزل على أنصار الشرك المحاربين للدين أو من ظاهر المشركين والكافرين على الموحدين لا على عموم المقيمين في دار الكفر.
ثم قال ابن حزم:(وقد ذكرنا أن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب كان عازما على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم لأن الوليد بن يزيد كان نذر دمه إن قدر عليه، وهو كان الوالي بعد هشام فمن كان هكذا فهو معذور.
وكذلك من سكن بأرض الهند والسند والصين والترك والسودان والروم من المسلمين، فإن كان لا يقدر على الخروج من هنالك لثقل ظهر أو لقلة مال أو لضعف جسم أو لامتناع طريق فهو معذور.
فإن كان هنالك محاربا للمسلمين معينا للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر.)أهـ
وإياك أن تفهم من قوله: (معينا للكفار بخدمة أو كتابة فهو كافر) ، التكفير بمجرد إعانة الكفار بمطلق الخدمة أو الكتابة، كما يطلقه بعض الغلاة، فقد رأيت كيف ربط ابن حزم هذه الإعانة بحرب المسلمين، فهذا هو الكفر، أعني حرب المسلمين ومظاهرة الكفار ونصرتهم عليهم في حربهم ولو بالكتابة ونحوها، لا مطلق خدمتهم والكتابة لهم، فهذا فيه تفصيل سيأتي في تفصيل العمل عند الكفار.
ثم قال رحمه الله: (وإن كان إنما يقيم هنالك لدنيا يصيبها وهو كالذمي لهم وهو قادر على اللحاق بجمهرة المسلمين وأرضهم فما يبعد عن الكفر وما نرى له عذرا ونسأل الله العافية.
(1) وفي رواية للبيهقي (9/ 12 - 13) وغيره وفيها عنعنة الحجاج بن أرطأة: (من أقام مع المشركين، فقد برئت منه الذمة)