الصفحة 40 من 79

وذهب أبو العباس إلى أنَّ الآية دالَّة على نقض العهد بالطعن في الدين، واستدلَّ بأنَّها إن دلَّت على وجوب قتال من ليس بيننا وبينه عهدٌ ولا ميثاق، فدلالتها على قتال من عاهدناه والتزم الصغار أولى إذ المعاهد له أن يُظهر في بلاده ما شاء من أمر دينه الذي لا يؤذينا بخلاف الذمي، وهذا الاستدلال غير مستقيم والله أعلم، إذ الآية ليست في قوم لا عهد بيننا وبينهم بل هي في قوم معاهدين ذكروا في الآية وما قبلها، والحكم قرن نقض العهود بالطعن في الدين، فالصورة التي قاس عليها أبو العباس صحيحةٌ لكن الآية لا تدلُّ عليها، ولو ذكر دليلًا يدلُّ على وجوب قتال الطاعن في الدين مطلقًا سواء كان بيننا وبينه عهد أم لم يكن لصحَّ الاستدلال بذلك الدليل، وعلى التسليم فإنَّ استدلاله مختصٌّ بمن يلتزمون الصَّغار وهم أهل الذمَّة المقيمون في بلاد المسلمين خاصَّة، ولا يعم جميع المعاهدين، فيُقصر الحكم عليه ولا يُعدَّى إلى غيره.

والأولى أن يُقال: إنَّ الطعن في الدين نقض للعهد بأدلَّة أخرى غير هذه الآية، والنكث للعهد مبيح للدم، ولكنَّ الحكم الذي استقلَّت به الآية ليس هو إباحة الدم، بل هو إيجاب القتل وتحريم عقد العهود لمن هذه حاله، فكل من هذين الشرطين لو انفرد يثبت به إباحة الدم وجواز القتل، ولكن لا يحرم تجديد العهد والعقد متى كانت فيه مصلحة، أمَّا إذا اجتمعا فإنَّهما يوجبان القتل والقتال، ويحرِّمان عقد العهد أو تجديده لمن فعل هذه الفَعلة، وهذا الحكم يُفهم من عبارة بعض أهل العلم وصرَّح به أبو العباس ابن تيمية وابن حزم وهو ظاهرٌ في الآيةِ، ويأتي الحديث عنه في الباب التالي بإذن الله.

الفصل الخامس: تفسير الآيات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت