قيل: الإمام نائب عن المسلمين يتصرف لمصالحهم وقيام الدين، فإن تعين ذلك للدفع عن الإسلام، والذب عن حوزته، واستجلاب رؤوس أعدائه إليه، ليأمن المسلمون شرهم، ساغ له ذلك، بل تعين عليه، وهل تُجوِّز الشريعة غير هذا، فإنه وإن كان في الحرمان مفسدة، فالمفسدة المتوقعة من فوات تأليف هذا العدو أعظم، ومبنى الشريعة على دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيل أكمل المصلحتين بتفويت أدناهما، بل بناء مصالح الدنيا والدين على هذين الأصلين. وبالله التوفيق" [1] ."
فأنت ترى كيف جعل عدم إعطاء الغنيمة للغانمين لأجل مصلحة التأليف، وهذا من أجل ما فيه من مصالح الدين، ومصلحة التأليف الواضحة في كلامه إنما هي في جهاد الطلب، فكيف في حالنا من جهاد الدفع لا لمصلحة التأليف، بل لمصلحة سد حاجة الجهاد من هذه الغنائم لمواصلة دفع الصائل، أي حتى يستمر الجهاد ولا تنطفئ جذوته، وعندها نقول: أليست مصلحة الإسلام في واقعنا أولى وأحرى، وأجلى وأوضح؟! وفي القادم مزيد بيان إن شاء الله.
قال الشوكاني في نيل الأوطار:"وفي أحاديث الباب دليل على أنه يجوز للإمام أن يؤثر بالغنائم أو ببعضها من كان مائلًا من أتباعه إلى الدنيا، تأليفًا له واستجلابًا لطاعته وتقديمه على من كان من أجناده قوي الإيمان، مؤثرًا للآخرة على الدنيا" [2] .
وقال في فتح القدير:"وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على هذه الآية بعد قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر، على ما تقدم أول السورة وقيل إنها -أعني قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} - محكمة غير منسوخة، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليست مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة، حكاه الماوردي عن كثير من المالكية، قالوا: وللإمام أن يخرجها عنهم، واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين، وكان أبو عبيدة يقول: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة ومنَّ على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئًا" [3] ، ثم ساق الشوكاني من قال بالإجماع، ورد على من احتج بقصة مكة وحنين بقريب مما أوردناه عن الشنقيطي وغيره.
(1) زاد المعاد (3/ 424 - 426) .
(2) نيل الأوطار (7/ 342) .
(3) فتح القدير (2/ 353) .