وقال أيضًا:"ولهذا قال -أي النبي صلى الله عليه وسلم عام حنين، عن الخمس-: «وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» بخلاف أربعة أخماس الغنيمة فإنه لمن شهد الوقعة"، إلى قوله:"ومن الناس من يقول: الغنيمة قبل القسمة لم يملكها الغانمون، وإن للإمام أن يتصرف فيها باجتهاده كما هو مذكور في غير هذا الموضع" [1] .
قال الإمام ابن القيم معلقًا على العطاء الذي أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش والمؤلفة قلوبهم:"وقد نص الإمام أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا العطاء هو من النفل، نفل النبي صلى الله عليه وسلم به رءوس القبائل والعشائر، ليتألفهم به وقومهم على الإسلام، فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس، والربع بعده لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته وأهله، واستجلاب عدوه إليه"، إلى قوله:"فما ظنك بعطاء قوَّى الإسلام وأهله، وأذل الكفر وحزبه، واستجلب به قلوب رءوس القبائل والعشائر، الذين إذا غضبوا، غضب لغضبهم أتباعهم، وإذا رضوا رضوا لرضاهم. فإذا أسلم هؤلاء، لم يتخلف عنهم أحد من قومهم، فلله ما أعظم موقع هذا العطاء، وما أجداه وأنفعه للإسلام وأهله."
ومعلوم أن الأنفال لله ولرسوله يقسمها رسوله حيث أمره، لا يتعدى الأمر، فلو وضع الغنائم بأسرها في هؤلاء لمصلحة الإسلام العامة، لما خرج عن الحكمة والمصلحة والعدل، ولمَّا عميت أبصار ذي الخويصرة التميمي وأضرابه عن هذه المصلحة والحكمة. قال له قائلهم: اعدل فإنك لم تعدل. وقال مشبهه: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، ولعمر الله إن هؤلاء من أجهل الخلق برسوله، ومعرفته بربه، وطاعته له، وتمام عدله، وإعطائه لله، ومنعه لله، ولله سبحانه أن يقسم الغنائم كما يحب، وله أن يمنعها الغانمين جملة، كما منعهم غنائم مكة، وقد أوجفوا عليها بخيلهم وركابهم، وله أن يسلط عليها نارًا من السماء تأكلها، وهو في ذلك كله أعدل العادلين، وأحكم الحاكمين، وما فعل ما فعله من ذلك عبثًا، ولا قدَّره سدًى، بل هو عين المصلحة والحكمة والعدل والرحمة، مصدره كمال علمه وعزته وحكمته ورحمته، ولقد أتم نعمته على قوم ردهم إلى منازلهم برسوله صلى الله عليه وسلم، يقودونه إلى ديارهم، وأرضى من لم يعرف قدر هذه النعمة بالشاة والبعير، كما يُعطى الصغير ما يناسب عقله ومعرفته، ويُعطى العاقل اللبيب ما يناسبه، وهذا فضله، وليس هو سبحانه تحت حجر أحد من خلقه، فيوجبون عليه بعقولهم ويحرمون، ورسوله منفذ لأمره.
فإن قيل: فلو دعت حاجة الإمام في وقت من الأوقات إلى مثل هذا مع عدوه، هل يسوغ له ذلك؟
(1) مجموع الفتاوى (5/ 251) .